ذلك -وإن كان رفعا جزئيا للحكم- إلا إنه أسهل من الرفع الْكُلِّي الذي يكون بالنسخ؛ لأن النسخ رَفْعٌ كُلِّيٌّ للحكم، وأما التخصيص والتقييد فهو رفع جزئي، كما تقدم بيانه والتمثيل له.
وحيث لم يمكن التوفيق بين النصوص على ما سبق تفصيله (وسابق دُرِي) يعني: عرف المتقدم من النصين؛ عُيِّنَ نسخ حكمه بالآخر؛ -يعني- تَعَيَّنَ نسخ المتقدم بالمتأخر؛ ولا يُلْجَأُ إلى النسخ ولا الترجيح إلا إذا لم يمكن الجمع؛ فإذا لم يمكن الجمع، وعُرِفَ المتقدم من المتأخر حُكِمَ بالنسخ.
والنسخ: رَفْعُ حكم شرعي ثابت بدليل، بخطاب آخر، بدليل آخر متراخ عنه. رفع الحكم بالكلية يُسَمَّى نسخا.
وجاء في تعبير السلف عن التخصيص بأنه: نسخ، نعم .. هو نسخ جزئي، لا نسخ كلي.
وأما الاصطلاح عند المتأخرين، وهو الذي استقر عليه العمل عند أهل العلم: أنه الرفع الكلي، فإذا تَعَذَّرَ وانسدت جميع المسالك- مسالك الجمع- يُلْجَأُ حينئذ إلى القول بالنسخ، فإذا وَجَدْنَا نَصًّا يعارِضُهُ نَصٌّ آخر، وعرفنا المتقدم من المتأخر حكمنا بأن المتأخر ناسخ للمتقدم.
فمثلا: في حديث شداد بن أوس يقول: أفطر الحاجم والمحجوم وجاء في بعض طُرُق الحديث: أنه كان في عام الفتح، وفي حديث ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو صائِمٌ مُحْرِمٌ دَلَّتِ الروايات الأخرى أنه كان في حَجَّةِ الوداع، ومعلومٌ أن حجة الوداع متأخرةٌ عن عام الفتح، فمع هذا التعارض:
الذي يُفِيده حديث شداد بن أوس أن الحجامة تُفَطِّرُ الصائم؛ والذي يفيده حديث ابن عباس أن الحجامة لا تُفَطِّرُ الصائم، فالناسخ هو المتأخر وهو حديث ابن عباس؛ لأنه في آخر عمره -عليه الصلاة والسلام- والمنسوخ هو حديث شداد. وبهذا حكم الإمام الشافعي.
هل لقائل أن يقول: هذا من قوله -عليه الصلاة والسلام- والقول ينتابه العموم، وذاك من فعله -عليه الصلاة والسلام- والفعل لا عموم له فيُحَمَلُ على أنه خاص به؟ أو كما يعبر بعض منهم: قضية عين لا عموم لها، ويبقى: أفطر الحاجم بالنسبة لعموم الأمة، وهذا خاص به -عليه الصلاة والسلام- كونه احْتَجَم؟ هذا يلجأ إليه بعضهم، لكن لنعلم أن كل كمال يُطْلَبُ من البشر- لا سيما- إذا اقترن بعبادة .. التي طُلِبَ من المسلمين تعظيمها- كالصيام مثلا- فإذا طُلِبَ من الأمة هذا الكمال، ألا يكون الأولى به النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ أن ينزه صومه الذي نهى عنه غيره؛ ينزه صومه عن أن يُخْدَشَ بمثل هذا؟ لابد؛ لأن بعض الناس عند التعارض- تعارض القول مع الفعل- يقول: الفعل خاصٌّ به -عليه الصلاة والسلام-.