وقد ذكرَ سفرُ التكوينِ أنّ سارةَ أختُ إبراهيمَ - عليه السلامُ- مِن أبيه فهي أختُه بالفعلِ، وكان ذلك الزواجُ في شرعِ من كان قبلَنا ...
وعليْه فإنّ الملاحظَ ممّا سبقَ: أنّها ليست كذباتٍ على الحقيقةِ بل هي تَوْريةٌ مِنَ المعاريضِ المندوحةِ عنِ الكذبِ لدفعِ الظلمِ عن صاحبِها، ونجاتِه مِنَ الهلاكِ؛ فالدافعُ لها الضرورةُ القصوى.
والمعاريضُ: جمعُ مِعراضٍ مِنَ التعريضِ وهو خلافُ التصريحِ مِنَ القولِ، وقد بَوَّبَ البخاريُّ بابًا بعنوانِ باب (الْمَعَارِيضُ مَنْدُوحَةٌ عنِ الكَذِبِ) .
وَقَالَ إِسْحَاقُ: سَمِعْتُ أَنَسًا مَاتَ ابْنٌ لأَبِى طَلْحَةَ فَقَالَ: كَيْفَ الْغُلاَمُ؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَدَأَ نَفَسُهُ، وَأَرْجُو أنْ يكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أنّها صَادِقَةٌ. اهـ
ومعنى المندوحةِ: الفُسْحَةُ والمُتَّسَعُ.
نُلاحظُ مِن قَولِ أمِ سليمٍ: أنّها قالت الحقيقةَ وليستِ الحقيقةَ الصريحةَ.
ثالثًا: إنّ فِعلَ إبراهيمَ - عليه السلام - إنْ حملناه على أنّه كذبٌ حقيقةً، وليس ذلك من قبيلِ المعاريضِ - وهذا جدلًا - أقولُ: لعلَّ ذلك رخصةً له في شرعِه كما رخّصَ لنا نبيّنُا - صلى الله عليه وسلم - بذلك عند الضرورةِ، ففي سُننِ الترمذيِّ كتابُ (البرِّ والصلةِ) باب (ما جاءَ في إِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) . برقمِ 1862 عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"لاَ يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلاَّ في ثَلاَثٍ: يُحَدِّثُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، والْكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ". وَقَالَ مَحْمُودٌ في حَدِيثِهِ:"لاَ يَصْلُحُ الْكَذِبُ إِلاَّ في ثَلاَثٍ".
تحقيقُ الألبانيِّ: (حسنٌ) انظرْ حديثَ رقم 7723 في صحيحِ الجامعِ.
نُلاحظُ: من تبويبِ الترمذيِّ - رحمَه اللهُ- باب (ما جاءَ في إِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) .