ثالثًا: قد يُقالُ مِمّن لا عقولَ لهم: إنّ الآيةَ تتحدّثُ عن آدمَ - عليه السلام - بأنّه سيسْفكُ الدماءَ ولا تتحدّثُ عن ذريتِه؛ فالآيةُ تقولُ: {وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) } (البقرة) .
والمعلومُ لدى الجميعِ أنّ آدمَ لم يسفكْ الدماءَ ويُفسدْ في الأرضِ، وإنّما مَن فعلَ ذلك هم ذريّتُه ... ؟!
قلتُ: قد يُقالُ ذلك مِمّن لا عقولَ عندَهم هذا القولُ؛ لأنّ الآيةَ لا تتحدّثُ عن آدمَ - عليه السلام - بعَيْنِه، إنّما تحدّثتْ عن الجنسِ البشريِّ ...
وبالمثالِ يتّضحُ المقالُ: يقولُ - سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) } (آل عمران) .
مِن المعلومِ إنّ الذي خاطبَ مريمَ هو ملاكٌ واحدٌ هو جبريلُ - عليه السلام -، لكنّ اللهَ قال - سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ} إشارة إلى جبريل - عليه السلام - بأنّه مِن جنسِ الملائكةِ ...
فالمرادُ مِن الآيةِ إذًا ليس آدمُ بعَيْنِه، وإنّما قصدَ الجنسَ، وهو الجنسُ البشريُّ لآدمَ وهم ذرّيّتُه، وأوّلُ واقعةِ قابيلَ وهابيلَ ...
يدعمُ ما سبقَ ما جاءَ في تفسيرِ ابنِ كثيرِ: الظاهرُ أنّه لم يردْ آدمَ عَيْنًا إذ لو كان كذلك لَما حَسُنَ قولُ الملائكةِ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} فإنّهم إنّما أرادوا أنّ مِن هذا الجنسِ مَن يفعلُ ذلك، وكأنّهم علموا ذلك بعِلمٍ خاصٍ، أو بما فهِموه مِن الطبيعةِ البشريّةِ فإنّه أخبرَهم أنّه يخلُقُ هذا الصنفَ مِن صَلْصَالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنون [أو فهِموا مِن الخليفةِ أنّه الذي يفصلُ بين الناسِ ويقعُ بينهم مِن المظالمِ ويرُدُّ عنهم المحارمَ والمآثمَ، قالَه القُرْطُبِيُّ أو أنّهم قاسوهم على مَن سبقَ. اهـ