فمن المُحتمل؛ أنه أخبرَ -عليه السلامُ -عن قربِ موته، فأخبر أهلَه بذلك وأبلغهم إلا يخبروا أحدًا بذلك؛ حتى يستأنف الجنُ بناء بيتِ المقدّس، وكان من عادتِه أنّه يتجرد في بيت المقدّس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل مِن ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه، فدخله في هذه المرة التي مات فيها. معتكفًا ..
فإنْ قيلَ: من مِنَ الأنبياء خير كما خير سليمان بحسبِ الرواية؟
قلتُ: أنبياءٌ كُثر منهم محمّد - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك في صحيحِ البخاريِّ برقمِ 4081 عن عائشةٍ قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ أنّه لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ يَقُولُ: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} الْآيَةَ فَظَنَنْتُ أنّه خُيِّرَ.
فإنْ قيلَ: من مِنَ الأنبياء أخبرَ أهلَه أنّه سيموت كما ذكرت الرواية؟
قلتُ: محمّدٌ - صلى الله عليه وسلم - لما أخبرَ فاطمةَ قبل موتِه عن وفاتِه؛ وذلك في صحيحِ مسلمٍ برقمِ 4488 عن عائشةٍ قَالَتْ: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ امْرَأَةً فَجاءَت فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: مَرْحَبًا بِابْنَتِي فَأَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ إنّه أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَاطِمَةُ ثُمَّ إنّه سَارَّهَا فَضَحِكَتْ أَيْضًا فَقُلْتُ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَقُلْتُ لَهَا حِينَ بَكَتْ: أَخَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِحَدِيثِهِ دُونَنَا ثُمَّ تَبْكِينَ؟ وَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى إِذَا قُبِضَ سَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: إنّه كَانَ حدّثني أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بالقرآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً وإنّه عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ فَبَكَيْتُ لِذَلِكَ ثُمَّ إنّه سَارَّنِي فَقَالَ:"أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟"فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ.