آمَنُوا. إلى أن يقول وبعد، فما عيسى إلا رسولٌ قد خلَتْ من قبلِه الرسل، ناصَبَه قومُه العداء، وظهرت على وجوههم بوادرُ الشر النسبة إليه، فالتجأ إلى الله، فأنقذه الله بعزته وحمته وخيّب ممكر أعدائه. هذا هو ما تضمنته الآيات {فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصاري إِلَى الله} إلى آخرها، بين الله فيه قوة مَكره بالنسبة إلى مكرهم، وأن مكرهم في اغتيال عيسى قد ضاع إذ قال: {يا عيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُوا} ، فهو يبشِّرُه بإنجائه من مكرِهم وردِّ كيدهم في نحورهم، وأنه سَيَتْوفي أجَله حتى يموت من غير قتل ولا صلب، ثم يرفعه الله إليه. الخ «.
ثم ينتهي عيسى ابن مريم إلى التفويض المطلق في أمرهم إلى الله تعالى وحده:
{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} .
إن تعذِّبهم بما فعلوا من تبديل وتغيير فإنهم عِبادُك، وتتصرف فيهم كما تريد، وإن تعفُ عنهم فإنك وحدك مالكُ أمرِهم، والقاهر الذي لا يُغلَب. ومهما تدفعه من عذاب فلا دافع له من دونك، ومهما تمنحهم من مغفرة فلا يستطيع أحد حرمانهم منها بحَوْلِك وقوّتك، لأنك أنت العزيز الذي لا يُغلب، والحكيم الذي يضع كل شيء موضعه. اهـ
لذلك قال تعالى في موضع آخر حاكيًّا عنه قبل أن يُولد:"اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) " (آل عمران) .
رابعًا: إن الأناجيلَ نصتْ صراحة على أن اللهَ نجا المسيحَ من الموت مقتولًا على الصليب ملعونًا .... بل أنه تضرع لربِّه بدموعٍ شديدةٍ أنْ لا يُقتل على يد أعدائه فسمع ربُّه دعاءه ونجاه من القتل مصلوبًا ...
و ذلك في الرسالة إلى العبرانيين أصحاح 5 عدد 7"الذي في أيام جسده إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت وسُمع له من أجلِ تقواه".
وهذا ما قد حدث فالفعل فقد نجا اللهُ عيسى المسيحَ من القتلِ، وقد شبهَ على اليهودِ والرومان والحاضرين جميعًا أنهم قتلوه مصلوبًا، ولم يقتلوه حقيقيةً؛ بل أغشي عليه