غرور وخداع) .. وما قيل عن مالك إنه كره أن يقول السلطان للمتهم أخبرني ولك الأمان لأنه خديعة .. أجاب عنه ابن حزم بقول:"وقد كره هذا مالك، ولا وجه لكراهيته، لأنه ليس فيه عمل محظور، وهو فعل صاحب لا يعرف له من الصحابة مخالف ينكر ذلك" [1]
أقول: يقصد ابن حزم أن فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تفريق المدعى عليهم وخداعهم ليس عملًا محظورًا، كما أنه صحابي لا يعرف له مخالف من الصحابة ينكر عليه فعله هذا مع المتهمين فهو إجماع سكوتي. كما أن ابن حزم يرى أن خداع المتهم ليس إكراها إذ يقول:"كل ما كان ضررًا في جسم، أو مال، أو توعد به في ابنه، أو أبيه، أو أهله، أو أخيه المسلم، فهو كره، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المسلم أخو المسلم لا يظلمه [2] ولا يسلمه" [3] "
إذن ابن حزم لا يرى أن خداع المتهم والتحايل عليه ليقر إكراهًا إذ أنه يرى أن كل ما كان ضررًا في جسم أو مال أو توعد في ابنه، أو أبيه، أو أهله، أو أخيه المسلم فهو إكراه أي أنه يتوسع في كلمة الأخوة فلم يقصرها على أخوة النسب بل يتعداها إلى أخوة الدين .. لذلك استشهد بالحديث النبوي المذكور .. فتحايل القاضي على المتهم ليقر ليس ظلمًا ولا خذلانًا كما أنه ليس إكراهًا. وهذا ما نرجحه وخاصة أن عدم استخدام هذا الأسلوب مع المتهم قد يضيع حقوق المجني عليه وولي دمه في القصاص من الجاني.
وهناك رواية تعضد رأينا؛ ذكرها مسلم في صحيحه:"عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا. فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ. وَقَالَتِ الأُخْرَى إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ ائْتُونِى بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى لاَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا. فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى" [4]
قال النووي تعليقا على هذا الحديث:"وأما سليمان فتوصل بطريق من الحيلة والملاطفة إلى معرفة باطن القضية فأوهمهما أنه يريد قطعه ليعرف من يشق عليها فتكون هي أمه، فلما أرادت الكبرى قطعه عرف أنها ليست أمه، فلما قالت الصغرى ما قالت عرف أنها أمه، ولم يكن مراده أنه يقطعه حقيقة وإنما أراد اختبار شفقتهما لتتميز له الأم فلما تميزت بما ذكرت عرفها ( .. ) وأن"
(1) ابن حزم: المحلى ـ ج12 ـ ص40.
(2) هذا الحديث رواه البخاري في باب المظالم برقم 2442"ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِى حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِى حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
(3) ابن حزم: المحلى ـ ج12 ـ ص41.
(4) مسلم: صحيح مسلم في كتاب الأقضية رقم الحديث: 4592. ورواه البخاري بنفس اللفظ في كتاب الفرائض رقم الحديث: 6769. وفي سنن النسائي كتاب آداب القضاة رقم الحديث: 5419. وفي سنن البيهقي في كتاب الدعوى والبينات رقم الحديث: 21823.