وظلوا يعملون في رعي الخنازير والفلاحة وفي كسح الكنف وتنظيف الشوارع ... ما أشد مأساة هؤلاء التعساء!
وإمعاناً في إذلال المسلمين الذين تنصروا في العلن وأخفوا إسلامهم صدر مرسوم ملكي آخر في 22 ربيع أول 917هـ الموافق20 يونيو 1511م يلزم المسلمين بتسليم كتبهم الدينية والفقهية وحرقها في ميدان عام تحت إشراف أحد الكرادلة.
وتأكيداً لأمر المحكمة البابوية أصدر شارل مرسوماً بقانون يلزم تنصير كل مسلم بقي على دينه وكان ذلك في 16 جمادى الأولى 931هـ الموافق 12 مارس 1524م ..
لكن هل اكتفى الأسبان بما سبق؛ لقد أصدر شارل الخامس في 932 هـ=1526م مرسوماً يحظر على الموريسكيين التخاطب باللغة العربية أو تعليم أولادهم لها .. طبعاً بغية استئصال شأفة أي أثر للإسلام في الأندلس وللقضاء على روح الترابط والتخاطب الذي يذكر الأجيال بلغة دينهم الأصلي بل إن الموريسكيين كانوا يدفعون إتاوات لبعض المحققين لكي لا يطبق عليهم هذا القانون بحذافيره .. ثم أصدر فيليب الثاني سنة (964هـ الموافق 1566م) قانونًا جديدًا يحرم التخاطب بالعربية، وفرضت القشتالية (لغة البرتغاليين قديما) كلغة للتخاطب والتعامل. وحوربوا حرباً لا هوادة فيها، وكتبوا لغتهم بطريقة سرية إذ كانوا يكتبون اللغة العربية بحروف لغة القشتاليين كما هو قائم الآن في تركيا بعد أن أصدر كمال أتاتورك قانوناً بوجوب كتابة اللغة التركية بحروف لاتينية .. لأن الحروف التركية القديمة حروف عربية تذكر الأجيال بأصلهم الإسلامي (تشابهت قلوبهم) ! لكن هؤلاء الموريسكيين لم ييأسوا فطفقوا يألفون كتباً في الفقه والأدب والشعر بلغة جديدة أطلق عليها (الإلخميادو) التي ظلت قرنين من الزمان يتناقلونها جيلاً إثر جيل حيث لم تنتبه إليها الحكومة الأسبانية .. ولما ضاق بهم الحال كانوا يرسلون رسائل سرية لفقهاء بلاد المغرب يسألون عن بعض الأحكام إذ كانوا مراقبين من قبل رجال الكنيسة الذين كانوا يقتحمون منازلهم ليفتشوا فيها على مصحف مخبأ أوأي أثر من شعائر المسلمين مع استجواب الأطفال وسؤالهم إن كانوا يرون آباءهم أو أمهاتهم يصلون أو يقرأون القرآن!! وإزاء هذا التضييق أفتى لهم بعض فقهاء مراكش وسرب لهم رسالة وأطلق عليهم اسم الغرباء يبين لهم الأحكام الشرعية التي يمكن أن يلجأوا إليها ليعملوا بالتقية وحتى يتمكنوا من ممارسة شعائرهم خفية: فيجوز الصلاة بالإيماء أي بالإشارة، وركن الزكاة يؤدى في صورة هدية لفقير .. ورفع الجنابة عن طريق العوم في البحر بزعم الاستحمام .. وإن أكرهتم على النطق بكلمة الكفر فقولوها تورية، وإن لم تستطيعوا فقولوها بألسنتكم وقلوبكم مطمئنة بالإيمان .. وهكذا كان يعيش هؤلاء الموريسكيون تحت هذا القمع الرهيب .. وقد أشار الحافظ أبو العباس الونشريسي المتوفى 914هـ في كتاب المعيار المعرب إلى بعض نتف لمسائل فقهية ذكر فيها (المدجنين) .