فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 868

فنظرت فإذا قطعة جلد بعير، فأخذتها فغسلتها، ثم أحرقتها، فرضضتها بين حجرين ثم استففتها، فشربت عليها الماء، فقويت عليها ثلاثا).

وكان أحدهم يأتي السوق ليشتري شيئاً من الطعام عياله فيقوم عدو الله أبو لهب قائلاً: (يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، حتى لا يدركوا معكم شيئاً، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن لا خسار عليكم) . فيزيدون عليهم في السلعة أضعافاً حتى يرجع إلى أطفاله، وهم يتضاغون من الجوع وليس في يديه شئ يطعمهم به.

انظر رحمك الله إلى هذه المحنة القاسية والحصار الظالم وتأمل جيداً في الحدث لم يتذمر المحاصرون مسلمهم، وكافرهم على مدار ثلاث سنين للضغط على رسول الله ليساوم أو يفاوض صناديد قريش للخروج من هذه المحنة التي كادت أن تهلكهم جميعاً! لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل مصلحة هؤلاء الجياع المحاصرين بشيوخهم ونسائهم وأطفالهم وبهائمهم نقبل عروض قريش القديمة أو نساومهم في هذه المرحلة للخروج من عنق الزجاجة ليتوفر المناخ المناسب للدعوة بحرية كاملة!!

لكن حاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك أو أن يساوم على حساب التوحيد وإعلاء كلمة الله تعالى وما هكذا أراد الله أن يقوم دين الله في الأرض (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:2) (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:3) . هكذا فإن الإسلام لا يريد أنصاراً منتفعين (شلة منتفعين) يحصلون على غنمه ولا يتحملون غرمه! فلو كان الأمر بهذه المساومات والمفاوضات فمالفرق إذن بين أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبين عبد الله بن أبي بن سلول؟! وماذا عسانا أن نميز الخبيث من الطيب؟! وهل كنا سنتعرف على صبر وتحمل بلال بن أبي رباح رضي الله عنه وهو يردد قولته التي صارت شعاراً لأهل الصبر والبلاء (أحد أحد) !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت