بأسلحة فمِه فالجوعُ قاتله؛ ولذلك تمدّحوا من أقدم أزمنتهم بالقِرى وعدّوه من أعظم مفاخرهم؛ لأنه شريعة الطبيعة التي أدّبتهم هذا الأدب، بل هو شعرها في أخلاقهم، إذ ارتقى بعد ذلك بارتقاء الشعر حتى تخرّقوا فيه، كما يؤثر عن كرائمهم وأجوادهم مما استوعتبته كتب المحاضرات. ثم لما جاء الإسلام ووضعت أصول الآداب، واجتمعوا على أن هذا الدين أخلاق يتخلق بها، فشت الكلمة، حتى إذا نشأت طبقة المعلمين لعهد الدولة الأموية، أطلق على بعض هؤلاء لفظ المؤدّبين، وكان هذا الإطلاق توسعاً ثانياً في مدلول (الأدب) لأنه اكتسب معنى علمياً إذ صار أثراً من آثار التعليم. ثم استفاضت الكلمة وكانت مادة التعليم الأدبي قائمة بالرواية من الخبر والنسب والشعر واللغة ونحوها، فأطلقت على كل ذلك، ونزلت منزلة الحقائق العرفية؛ وهذا هو الدور الثالث في تاريخها اللغوي، وهو أصل الدلالة التاريخية"."
أقول: هكذا مر ت كلمة (الأدب) على ثلاث مراحل تاريخية:
المرحلة الأولى: مدلول الكلمة الطبيعي المشتق من اللغة العربية وهي أشبه بمصطلح لغوي بحت ارتقى زمنياً إلى مصطلح وراثي.
المرحلة الثانية: المعنى العلمي لكلمة الأدب وذلك باتخاذه حرفة نظراً لظهور طبقة المعلمين الذين أطلق عليهم المؤدبين. المرحلة الثالثة: استفاضة مادة التعليم القائمة بالرواية والخبر والنسب والشعر والنثر واللغة وهو المعني بأصل الدلالة التاريخية لكلمة الأدب.
وقد ذكر ابن خلدون تعريفاً قيماً في حد الأدب:"هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها. وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة من شعر عالي الطبقة وسجع متساو في الإجادة ومسائل من اللغة والنحو مبثوثة أثناء ذلك متفرقة يستقري منها الناظر في الغالب معظم قوانين العربية مع ذكر بعض من أيام العرب يفهم به ما يقع في أشعارهم منها. وكذلك ذكر المهم من الأنساب الشهيرة والأخبار العامة. والمقصود بذلك كله أن لا يخفى على الناظر فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه لأنه لا تحصل الملكة من حفظه إلا بعد فهمه فيحتاج إلى تقديم جميع ما يتوقف عليه فهمه. ثم إنهم إذا أرادوا حد هذا الفن قالوا: الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل علم بطرف يريدون من علوم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط وهي القرآن والحديث. إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلام العرب إلا ما ذهب إليه المتأخرون عند كلفهم بصناعة البديع من التورية في أشعارهم"