والثاني: اسناد كتاب.
أما اسناد الرواية وهو على طريقة أهل الحديث أن يروي الخبر سواء بيت شعر أو قول مأثور أو خطبة لأحد البلغاء عدل ضابط عن مثله إلى أن نصل لمصدر الخبر أو قائله الأصلي .. فلما كان القرن الخامس الهجري ضعف أمر الاسناد شيئاً غير قليل ولكن بقيت فيه بقية يتماسك بها ..
"ومن يومئذ صار أمرالاسناد مقصوراً على تلقي الكتب العلمية وروايتها بالسند عن مؤلفيها، لأن العلم كان قد نضج وكملت فنونه، ثم كان لسان العرب قد اختبل وكان أمرهم قد اختلّ، فلم تعد الرواية عنهم تجدي شيئاً، وكان سماع الكتب وروايتها عن مؤلفيها معروفاً من أول عهد التأليف، ولكنه لم يكن مما يتباهى به إلا منذ بدأت الرواية تضعف في القرن الرابع، وحين كثرت الكتب، فكان الصولي الأديب المتوفى سنة 335هـ يتباهى عظيما بكتبه وهو مصفوفة وجلودها مختلفة الألوان، ويقول: هذه الكتب كلها سماع! وقد هُجي بذلك لأن الناس لم يكونوا قد ساروا هذه السنة بعد. ومن ثم صاروا يطلقون لفظ (الصُّّّحفي) على من يأخذ من الكتب بنفسه دون أن يتلقاها بإسناد معروف إلى مؤلفيها، حتى إنهم لما عابوا الحسن بن أحمد النحوي (في أواخر القرن الخامس) وكان يحسن كتاب سيبويه، قالوا: إنما كان في فهم الكتاب صُحفياً".
أما عن أول من أسند في الأدب:
يقول الرافعي إن أول اسناد عرف في الأدب كان علمياً بحتاً:"وذلك اسناد نصر بن عاصم الليثي إلى أبي الأسود الدؤلي في كتابه الذي وضعه للعربية .. ثم كان العلماء يروون المغازي، وهذه لابد فيها من الإسناد وإن كان قصيراً لقرب التابعين من عهدها الذي حدثت فيه ثم لما خيف على لسان العرب من الفساد ومسّت الحاجة إلى الكتابة عن العرب لصيانة اللغة والأستعانة على فهم القرآن والحديث وتجريد القياس في العربية وما إلى ذلك ـ نشأت الطبقة التي ابتدأ الإسناد في الأدب إلى رجالها: كحماد الراوية، وأبي عمرو بن العلاء، وغيرهما. وصارت الرواية علمية محضة. وبهذا تحقق معنى الاسناد في الاصطلاح، وكان ذلك بدء تاريخه في الأدب. ثم ظهرت الطبقة التي أخذت عن هؤلاء، وكانوا جميعاً إنما يطلبون رواية الأدب للقيام به على تفسير ما يشتبه من غريب القرآن والحديث، وحتى لا تجد فيهم البتة من لا رواية له في الحديث كثرت أو قلت، والمحدثون يرون أنه ليس براوٍ عندهم من لم يرو من اللغة؛ لأن موضوع الحديث أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أفصح العرب، ولذا لا يمكن أن يقيموا آراءهم في غريب الأثر ومشتبه الحديث إلا بما يحتجون به من الشعر وكلام"