ثم ندخل باب فراق الحبيب صلى الله عليه وسلم (باب ما جاء في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم) ساق الترمذي بسنده إلى سفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"آخرُ نظرة نظرتُها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كشف الستارة يوم الإثنين، فنظرت إلى وجهه كأنه ورقةُ مُصحف، والناس خلف أبي بكر، فأشار إلى الناس أن اثبتوا، وأبو بكر يؤمهم، وألقى السَّجْفَ، وتوفي من آخر ذذلك اليوم" [1] .
ويختم الترمذي كتابه بأثر ساقه عن عبد الله بن المبارك قال:"إذا ابتُليتَ بالقضاء فعليك بالأثر" [2] .
ثم يأتي إلى الحديث رقم (397) وهو آخر حديث في كتاب الشمائل: عن ابن سيرين قال:"هذا الحديثُ دينٌ، فانظروا عمّن تأخذون دينكم" [3] .
وفي تعليق على هذين الأثرين يقول الأستاذ سميح عباس:"هذا الأثران أخرجهما الترمذي ليختم بهما الكتاب وهذا شبيه بما فعل البخاري في صحيحه إذ ابتدأه بحديث إنما الإعمال بالنيات. والترمذي أراد أن ينبه القارئ إلى أن يتمسك بالأثر وأصحابه فلا يأخذ العلم أو الحديث إلا مسنداً، كما أن عليه أن يدقق في رجال الإسناد، فلا يأخذ إلا عن ثقة حافظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم ويترك الضعفاء والمتروكين والكذابين، لأنها تفسد عليه دينه، وقد أخرج الحاكم في معرفة علوم الحديث عن أحمد بن سنان القطان قال: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث. وأخرج أيضاً عن ابن المبارك يقول: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. قال أبو عبد الله الحاكم: فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة موظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد، فإن الإخبارإذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها كانت بُتْراً. أ هـ" [4] .
أقول: هذا سر هجوم أهل الزندقة والعلمنة وبعض المتميعيين من أصحاب العمائم على أهل الحديث واتهامهم بالجمود وعدم الفهم واهتمامهم بابن الرواندي والسهروردي والغزالي والرازي وأبي حيان والفارابي والكندي وابن سينا وغيرهم على حساب أهل الإسناد والرواية
(1) الشمائل/ ص263
(2) الشمائل/ ص280
(3) الشمائل/ ص281
(4) أوصاف النبي /تحقيق سميح عباس/ ص323