ثانياً: إذا قلنا عن شخص ما أنه علامة أو عالم كبير! حتى ولو كان كافراً! فإنه مفهوم بداهة أنه علامة نابغ بارع في العلم الذي يتقنه بغض النظر عن قناعتي بهذا العلم من الناحية العقدية أو حتى المعرفية وهذا معلوم لمن يقرأ في كتب السلف والخلف! فقد يكون الرجل معظماً وكبيراً وحبراً لدى بني جلدته وقومه! ومن ثم لا حرج بمخاطبته بعظيم القوم وكبيرهم أو حبرهم.
فقد روى البخاري في كتاب الاستئذان في صحيحه:"عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِى نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ، فَأَتَوْهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُرِئَ فَإِذَا فِيهِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، السَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ) . أهـ (البخاري الحديث رقم 6260) ."
وذكر البخاري أيضاً في كتاب التفسير من صحيحه:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود- رضى الله عنه - قَالَ: (جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلاَئِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) . أهـ (البخاري الحديث رقم 4812) .
وجاء في صحيح مسلم في كتاب الحيض من رواية ثوبان مولى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حبر من أحبار اليهود: (قَالَ كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ. فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا فَقَالَ لِمَ تَدْفَعُنِى فَقُلْتُ أَلاَ تَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ الْيَهُودِىُّ إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِى سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اسْمِى مُحَمَّدٌ الَّذِى سَمَّانِى بِهِ أَهْلِى» . فَقَالَ الْيَهُودِىُّ جِئْتُ أسألك) أهـ (مسلم: الحديث رقم 742)
أقول: الشاهد قوله (حبر من أحبار اليهود) ! وكلمة حبر معناها العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه؛ قال القرطبي في تفسير قول الله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ] التوبة:31 ["الأحبار جمع حبر، وهو الذي يحسن القول وينظمه ويتقنه بحسن البيان عنه. ومنه ثوب محبر أي جمع الزينة .. والحبر بالفتح العالم"أهـ بتصرف