فهرس الكتاب

الصفحة 834 من 868

وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً أي: وليجد الكفار منكم غلظة في قتالكم لهم؛ فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقاً لأخيه المؤمن، غليظاً على عدوه الكافر؛ كقوله تعالى: (فَسَوْفَ يَاتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) " [1] "

ويشخص لنا ابن كثير حال الأمة بعد القرون الأولى قائلاً:"وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله تعالى، لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم تزل الأعداء في سفال وخسار، ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك، طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام، فأخذوا من الأطراف بلداناً كثيرة، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام، ولله الأمر من قبل ومن بعد، فكلما قام ملك من ملوك الإسلام، وأطاع أوامر الله، وتوكل على الله، فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسبه، وبقدر ما فيه من ولاية الله. والله المسؤول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين، وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم، إنه جواد كريم" [2]

وقال الألوسي في روح المعاني:"لأنه من المعلوم أنه لا يمكن قتال جميع الكفار وغزو جميع البلاد في زمان واحد فكان من قرب أولى ممن بعد، ولأن ترك الأقرب والاشتغال بقتال إلا بعد لا يؤمن معه من الهجوم على الذراري والضعفاء، وأيضاً الأبعد لا حد له بخلاف الأقرب فلا يؤمر به، وقد لا يمكن قتال إلا بعد قبل قتال الأقرب، وقال بعضهم: المراد قاتلوا الأقرب فالأقرب حتى تصلوا إلى الأبعد فالأبعد وبذلك يحصل الغرض من قتال المشركين كافة، فهذا إرشاد إلى طريق تحصيله على الوجه الأصلح. ومن هنا قاتل صلى الله عليه وسلم أولاً قومه ثم انتقل إلى قتال سائر العرب ثم إلى قتال قريظة. والنضير. وخيبر. وأضرابهم ثم إلى قتال الروم فبدأ عليه الصلاة والسم بقتال الأقرب فالأقرب وجرى أصحابه على سننه صلى الله عليه وسلم إلى أن وصلت سراياهم وجيوشهم إلى ما شاء الله تعالى" [3]

وهكذا نلاحظ أن آية سورة التوبة (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) تشير إلى صلب موضوعنا أنه لزام على المسلم ألا يغفل عن جبهته الداخلية وعن أعدائه القريبين لأن هذا مكمن الخطورة حيث ينشغل المسلمون في حرب ما مع عدو خارجي ثم يفاجأ المسلمون بخلل في جبهتهم

(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم/تحقيق د. محمد إبراهيم البنا/دار ابن حزم/بيروت/1419هـ/ج4 ص1727، ص1728.

(2) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم/ ج4 ص1728.

(3) الألوسي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني/دار الكتب العلمية/ بيروت/1425هـ/مج4 ج6 ص47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت