فعلى أية حال إذا سلطنا الضوء على عامل الجبهة الداخلية (العدو القريب) لتبين لنا أن المسلمين انهزموا في الأندلس داخلياً قبل أن يهزمهم العدو الخارجي الصليبي! ونجد ذلك واضحاً في دول الإسلام المتعاقبة في الأندلس وأقوى شاهد على تلك المراحل المخزية الأنموذجين التاليين:
الأنموذج الأول: دويلات الطوائف (422هـ ـ 487هـ) :
فهذا العصر من أسود الحقب في صفحات تاريخ المسلمين في الأندلس حتى جاء العصر الحديث وضرب رقماً قياسياً لدويلات الطوائف (في العالم العربي) لتكون أرذل وأخس وأشأم حقبة مرة في تاريخ الإسلام حتى وقتنا الحاضر ..
وقد امتد عصر ملوك الطوائف أكثر من نصف قرن وقسمت فيه الأندلس إلى عدد كبيرمن الدويلات الهزيلة وكانت كلها تدفع الجزية إلى طاغية قشتالة (ألفونسو السادس) .. وقد كان الإسلام الجامع لكل هذه الأعراق والجنسيات تحت خليفة واحد ..
وقد أدى بهم التشرذم إلى أن انقسموا إلى ثلاث قوى: عربية ـ بربرية ـ عامرية نسبة إلى أتباع الحاجب المنصور بن أبي عامر .. وكانت هذه الدويلات تدفع الجزية لملوك الأسبان دفعاً لشرهم وكانت تحارب بعضها بعضاً، وتستعين في كثير من الأحيان بجنود مرتزقة من الأسبان للتغلب على هذا الرئيس أو ذاك ..
إن دويلات الطوائف كانت ثلاثاً وعشرين دويلة .. قريب عدد الدول العربية اليوم مثل: دويلة العامريين وأميرهم المعتصم بن صمادح .. ودويلة بني هود في سرقسطة .. ودويلة بني ذي النون في طليطلة .. ودويلة بين زيري في غرناطة .. ودويلة بني الأفطس في بطليوس .. لكن أشهروأكبر هذه الدويلات (دويلة بني عباد في إشبيلية) بل إنها أكثرهم أثراً في حياة الأندلس .. والعجيب أن هذه الدويلات اتخذت مظاهر الأبهة والفخامة للدول الكبرى من التلقب بألقاب الخلافة ومن الحجابة ورئاسة الوزراء .. وكانوا يقلدون الخلفاء الأمويين والعباسيين رغم البون الشاسع بين العزيز والذليل!!
وكما وصف لنا حالهم ابن رشيق القيرواني:
مما يزهدني في أرض أندلس *** ألقاب معتمد فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها *** كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد
وكادت الأندلس أن تسقط في أيدي ألفونسو الصليبي لولا فضل الله قذف في قلب أمير المسلمين يوسف بن تاشفين الذي استجاب لدعوة المعتمد بن عباد أمير إشبيلية فأرسل جيشا