ويروى ابن هشام في السيرة النبوية أنه أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا نصه:(من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله.
سلام عليك.
أما بعد ...
فإني قد أُشرِكْتُ في الأمر معك، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشًا قوم يعتدون).
ورد عليه محمد صلى الله عليه وسلم بكتاب نصه:(بسم الله الرحمن الرحيم.
من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب.
سلام على من اتبع الهدى.
أما بعد ...
فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين).
وبالنظر في سلوك"مسيلمة"وهو في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالنظر كذلك في كتابه إليه تواجهنا"شخصية منحرفة"، تحكمها"عقدة التعاظم"التي تفهم النبوة والرسالة على أنهما ملك وسلطان، وسيادة وهيمنة على الأرض، وفي سبيل ذلك تكون التضحية بالأخلاقيات النبيلة والقيم العليا أمرًا لا غبار عليه.
بينما نرى في مواجهة الرسول عليه السلام لمسيلمة وهو في المدينة، ومواجهته له بعد ذلك في رده المكتوب إليه عدة معان وقيم عليا أهمها اثنتان:
الأولى: الصراحة في الحق، ومواجهة المنحرفين والطامعين، والجبارين، دون مواربة أو مصانعة، أو تفريط في دين الله.
الثانية: تجنب اللجاج والجدل، وخصوصًا إذا تعلق الأمر بقضايا أو حقائق جوهرية واضحة لا تحتمل النقاش مثل؛ سمو النبوة والرسالة، وما هيأه الله للإنسان في الكون، وجزاء التقوى، وجزاء الكفران والطغيان والجحود.
وينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وتتحول الردة العقدية إلى جيوش وسلاح، وينهض أبو بكر رضي الله عنه بالأمر، وينطلق خالد بن الوليد إلى مسيلمة، وتدور معارك من أشرس وأدمى ما عرف التاريخ، وينهزم بنو حنيفة، ويصرع مسيلمة، وترتفع راية الإسلام من جديد، وتصدق في مسيلمة كلمة الرسول عليه السلام: (ولئن أدبرت ليعقرنك الله) .