فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 464

أدبَرَ ... وطغَى ... فعقَره الله

بقلم الأستاذ؛ جابر قميحة

كثيرون يعتقدون أن"الردة عن الإسلام"لم تبدأ إلا بعد أن انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى. وهذا الاعتقاد في صورته العامة لا يتفق مع الواقع التاريخي، وهذه المقولة تقتضينا شيئًا من التحديد، فنقرر في هذا المقام أننا في معالجتنا العلمية للردة يجب أن نفرق بين صورتين لها:

الأولى: الردة في صورتها العَقَدية التي تعني الانسلاخ من الإسلام أو بعض أركانه وخصوصًا الزكاة.

والثانية: الردة في صورتها العسكرية التي تمثلت في جيوش خرجت وتمردت على السلطة المركزية في المدينة.

وتفريقنا بين الصورتين إنما يعتمد على"العنصر الزمني المرحلي"، لا على"صبغة كيفية أو مذهبية", بمعنى أن الردة في صورتها الثانية تحركت من الناحية المذهبية العقدية اعتمادًا على الانسلاخية الكلية أو الجزئية من الإسلام، وإن تأخرت عنها زمنيًا.

وبشيء من التفصيل نقرر أن بوادر الردة"بمفهومها العقدي"ظهرت في العامين الأخيرين, أو العام الأخير من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وربما كان أول من كشف عنها"مسيلمة بن حبيب الحنفي"الذي أطلق عليه بعد ذلك"مسيلمة الكذاب".

ففي العام التاسع من الهجرة جاء"مسيلمة"هذا مع وفد بني حنيفة إلى المدينة، وقادته وقاحته وسوء أدبه إلى أن يردد أمام المسلمين قوله"لو جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته"، ونقل بعض المسلمين للنبي ما يردده مسيلمة، فأشار النبي بيده إلى قطعة من جريد النخل، وقال: (اسمع يا مسيلمة! والله لو سألتني هذه القطعة من جريد ما أعطيتكها، ولن أتعدى أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله) .

وأمام هذه المواجهة الصريحة لم ينطق"مسيلمة"بكلمة، وعاد مع قومه بني حينفة إلى بلادهم .. اليمامة وما حولها، وكانوا من أمنع الناس وأقواهم وأغناهم، وأكثرهم خيلًا ورجالًا، وسلاحًا، وزراعة، وأعلن"مسيلمة"على رءوس الأشهاد من قومه أنه"نبي مرسل"وأن الوحي بدأ في النزول عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت