عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلاطين أُفتُتن، وما ازداد عبد من السلطان قربًا إلا ازداد من الله بعدًا". رواه أحمد في المسند، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلاطين افتتن"صحيح، رواه النسائي والترمذي وأبو داود، وانظر صحيح الجامع (6296) .
وعن أبي الأعور السلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إياكم وأبواب السلطان فإنه قد أصبح صعبًا هبوطًا". صحيح رواه الديلمي وابن منده وابن عساكر، وانظر الصحيحة (1253) ، وهبوطًا: أي ذلًا.
قال صاحب تحفة الاحوذي في شرح قوله صلى الله عليه وسلم"ومن أتى أبواب السلاطين افتتن"نقلًا عن القاضي (6/ 533) : (أي من غير ضرورة وحاجة لمجيئه،(أُفتتن) بصيغة المجهول أي وقع في الفتنة، فإن وافقه فيما يأتيه ويذره فقد خاطر على دينه، وإن خالفه فقد خاطر على دنياه. وقال المظهر: يعني من التزم البادية ولم يحضر صلاة الجمعة ولا الجماعة ولا مجالس العلماء فقد ظلم نفسه، ومن اعتاد الاصطياد للهو والطرب يكون غافلًا لأن اللهو والطرب يحدث من القلب الميت، وأما من اصطاد للقوت فجاز له لأن بعض الصحابة كانوا يصطادون، ومن دخل على السلطان وداهنه وقع في الفتنة، وأما من لم يداهن ونصحه وأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فكان دخوله عليه أفضل الجهاد). أ. هـ
ولقد حذر السلف كثيرًا من الدخول على السلاطين مخافة الفتنة وأقوالهم في هذا الباب كثيرة. . .
يقول الإمام ابن رجب رحمه الله (وقد كان كثير من السلف ينهون عن الدخول على الملوك لمن أراد أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر أيضًا. وممن نهى عن ذلك عمر بن عبد العزيز وابن المبارك والثوري وغيرهم من الأئمة. وقال ابن المبارك: ليس الآمر الناهي من دخل عليهم فأمرهم ونهاهم، إنما الآمر الناهي من اعتزلهم. وسبب هذا ما يُخشى من فتنة الدخول عليهم فإن النفس قد تخيل للإنسان إذا كان بعيدًا عنهم أنه يأمرهم وينهاهم ويغلظ عليهم، فإذا شاهدهم قريبًا مالت النفس إليهم لأن محبة الشرف كامنة في النفس له، ولذلك يداهنهم ويلاطفهم وربما مال إليهم وأحبهم ولا سيما إن لاطفوه وأكرموه وقبل ذلك منهم) جامع بيان العلم وفضله (1/ 178 - 179) .
وروي أن ابن علية المجمع على تقدمه وجلالته كان من أجل أصحاب ابن المبارك، وكان ينفعه، لما تولى لهارون الرشيد القضاء هجره ابن المبارك، وقطع نفقته، فأتي إليه ابن علية معتذرًا، فلم يعبأ به، ولم يرفع إليه رأسه بعدما كان يبالغ في تعظيمه لأجل شؤم القضاء وشؤم عاقبته، ثم كتب إليه ابن المبارك:
يصطاد به أموال السلاطين ... يا جاعل العلم له بازيا
بحلية تذهب بالدين ... احتلت للدنيا ولذاتها
كنت دواء للمجانين ... فصرت مجنونًا بعدما