فقه النصيحة
ابتداءً نقول إن الحركة الإسلامية هي القادرة - بتوفيق الله تعالى لها - على بناء الأمة المتراحمة المتماسكة صاحبة المضمون الحضاري وهو (الحق) ، وان حجر أساس هذا البناء المُحكم هو التناصح.
ولذلك فلا غرابة أن يعبر النبي صلى الله عليه وسلم بالنصيحة عن الدين كله، وهو الذي أوتي جوامع الكلم فقال فيما رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان: (الدين النصيح) - ثلاثًا - قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) .. الحديث.
ذلك أن للنصيحة شأنًا عظيمًا في قيام الأمة بواجباتها النابعة من قيام الأفراد بذلك، وأنها السياج الواقي من الإشاعة والغيبة والنميمة والتحريش والتنازع.
التحريش الذي رضيه الشيطان كما جاء في حديث مسلم الآخر: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المُصلون ولكن في التحريش بينهم) ، وقد رضى بالتحريش لأنه بداية طبيعية للعداء والتفريق والتنازع المؤدي إلى الاقتتال وذهاب الريح.
قال الخطابي في معالم السنن (5/ 233) : (النصيحة كلمة يُعبَّر بها عن جملة وهي؛ إرادة الخير للمنصوح له، ولا يمكن أن يُعبَّر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تحصرها وتجمع معناها غيرها) . اهـ
والحديث يدل على أن النصيحة تسمى دينًا وإسلاما وأن الدين يقع على القول والعمل، ولهذا اعتبر العلماء هذا الحديث - الدين النصيحة- يعدل ربع الدين، بل هو الدين كله.
قال ابن حجر في الفتح (1/ 138) : (هذا الحديث من الأحاديث التي قيل أنها أحد أرباع الدين) . اهـ
وقال النووي في شرحه على مسلم (1/ 396) : (وأما ما قاله جماعات من العلماء أنه أحد أرباع الإسلام أي أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام فليس كما قالوه، بل المدار على هذا وحده) . اهـ
ولأن مدار الأمر وقيام الدين بالنصيحة فقد كانت هي منهج أنبياء الله ورسله في الأمم، قال تعالى على لسان نوح عليه السلام مخاطبًا قومه {أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون} .
وعلى لسان صالح عليه السلام: {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} .
وعلى لسان نبي الله شعيب عليه السلام: {فتول عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف ءاسى على قوم كافرين} .
وكذلك على لسان هود عليه السلام: {أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين} .
قال أبو السعود في تفسيره (3/ 238) : ( {ناصح أمين} أي معروف بالنصح والأمانة مشهور بين الناس بذلك، وإنما جئ بالجملة الاسمية دلالة على الثبات والاستمرار، وإيذانًا بأن من هذا حاله، لا تحوم حوله شائبة السفاهة والكذب) . اهـ
والنصيحة كذلك منهج وخلق لكل مصلح وصادق من أتباع الرسل، كما كانت موقف مؤمن آل فرعون وهو مستضعف يكتم إيمانه إذ قال لموسى عليه السلام: {إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين} .
ومما يؤكد مكانة النصيحة ويبين أنها ميزان النصرة وحب المؤمنين وعلو دين الله في الأرض أن الله جعلها شرطًا لمن عجز عن الجهاد بنفسه لعذر شرعي لأنها دليل صدق التوجه إلى الله فقال تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم} .
قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص 74) : (يعني من تخلف عن الجهاد لعذر فلا حرج عليه بشرط أن يكون ناصحًا لله ورسوله في تخلفه، فإن المنافقين كانوا يظهرون الأعذار كاذبين ويتخلفون عن الجهاد من غير نصح لله ورسوله) . اهـ
واعلم أخي أرشدنا الله وإياك للحق أن للنصيحة ضوابط ثلاثة:
الأول: الإخلاص لله تعالى؛ فالإخلاص هو لب الأعمال ولأن النصيحة من حق المؤمن على أخيه وجب فيها التجرد عن الأغراض الشخصية والتحاسد، والهوى الذي يحبط العمل ويورث الشحناء وفساد ذات البين.
قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (4/ 234) : (النصح إخلاص النية من شوائب الفساد في المعاملة بخلاف الغش) . اهـ
الثاني: الرفق في النصح؛ فهو ركن النصيحة الثاني، والرفق لين الجانب من طرف الناصح وهو لُب النصح وأسلوبه، وإذا خلت النصيحة من الرفق صارت تعنيفًا وتوبيخًا لا يُقبل، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم (من يُحرم الرفق يُحرم الخير) .. الحديث.
الثالث: الحلم بعد النصح؛ والحلم خلق الأنبياء وهو نقيض السفه، ومن مقتضيات الحلم: الستر والحياء وعدم البذاءة وترك الفحش فيحلم الناصح على المنصوح إن سفه عليه أو عابه وشتمه، وان شر الناس كما قال صلى الله عليه وسلم (من تركه الناس اتقاء شره) .. الحديث.
إن من الحكمة والبصيرة في النصيحة معرفة أقدار الناس وأنزالهم منازلهم، والترفق مع أهل الفضل والسابقة.
وكذلك تخير وقت النصح حيث ترفع الكلفة، وتسود روح الأخوة .. وتخير أسلوب النصح المتزن البعيد عن الانفعالات، وانتقاء الكلم الطيب، والوجه البشوش والصدر الرحب، فهو أوقع في النفس، وادعى للقبول وأعظم للأجر عند الله تعالى.
قال الإمام ابن القيم في كتابه الروح (ص 511) : (وإذا وقعت - النصيحة - على وجه ذم أخيك وتمزيق عرضه والتفكه بلحمه، والغض منه لتضع منزلته من قلوب الناس فهي الداء العضال ونار الحسنات التي تأكلها كما تأكل النار الحطب) . اهـ
وقال أبو صالح المري رحمه الله: (المؤمن من يعاشرك بالمعروف ويدلك على صلاح دينك ودنياك والمنافق من يعاشرك بالمماذعة - يعني التملق والكذب - ويدلك على ما تشتهيه، والمعصوم من فرق بين الحالين) . اهـ
كما أن للنصيحة آدابًا وسننًا وشروطًا كالعلم بأدلة الشرع فيما ينصح به، وعدم التكرار إلا لداعي التذكير، والدعاء للمنصوح في ظهر الغيب إلى غير ذلك ممن مظانه كتب أهل العلم والفقه.
وان من النصيحة أن يُعلن الفرد داخل إطار الجماعة رأيه بكل صراحة ووضوح فهذا حق شرعي له.
ولكن يجب أن تنقطع علاقته برأيه وما ذهب إليه من اجتهاد بمجرد الاطمئنان إلى وصول الرأي لقيادة الجماعة حتى ينطبق على رأيه وآراء غيره من إخوانه قواعد الجماعة في سير هذه الآراء وتمحيصها للوصول إلى الصواب والحق.
ومن بوادر التنازع والتفرق تمسك الفرد برأيه - الاجتهادي - وتبنيه له بعد حكم الجماعة فيه بالبطلان، لأن هذا مؤداه إلى الانشقاق الفكري المنهجي، أو الانشقاق التنظيمي والخروج عن الجماعة، إذا تبنى مواقف مبنية على رأيه المحكوم عليه بالبطلان، وجعل من نفسه ميزانًا للحق يُشنع على من خالفه فردًا كان أو جماعة.
ولهذا كان إبداء الرأي مدعومًا بأدلته العقلية والنقلية والواقعية وأسلوبه الناصح المشفق هو النصيحة الواجبة التي تقوّم بها الجماعة خططها وأساليبها في إدارة الصراع مع الأعداء.
وكان خلاف ذلك هو الغش والوهن والإرجاف وحب الذات وعلامة جلية من علامات النفاق، كما قال علي رضي الله عنه: (المؤمنون نَصَحَةَ والمنافقون غَشَشَةَ) وكما قال الفضيل بن عياض: (المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويُعير) . اهـ
فكان لزامًا أخذ النصيحة خلقًا بين المسلمين عامة، وأبناء الدعوة خاصة فهي القاطعة لفساد ذات البين والتحريش، والمؤصِّلة لمعاني الاخوة والمحبة في الله والولاء الذي جعله الله علامة الإيمان والصدق وعاملًا على تماسك الجماعة والأمة وقبل ذلك امتثالًا لأمر الله تعالى، {وقل لعبادي يقولوا التي هي احسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوًا مبينًا} .
والحمد لله رب العالمين
[بقلم: عبد الله محمد > عن مجلة الفجر]