بقلم: سفيان الداراني
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل أن أتكلّم عن مفهوم "القدرة" لابدّ من الحديث عن مفهوم "المصلحة" من منظورها الشرعي والتي هي في الأصل محور كلّ الحوارات ولأجلها اشترط من اشترط, وتوسّع من توسّع في معنى القدرة وتحديد شروط تحقيقها ليتمّ بالتالي (في نظرهم) تحقيق المصلحة.
قال الامام الشاطبي رحمه الله: المنافع الحاصلة للمكلف مشوبة بالمضار عادة، كما أن المضار محفوفة ببعض المنافع (الاعتصام) .
فالمقاصد التي يتكلم عنها الامام الشاطبي هي مقاصد ومصالح الشريعة المبنية على النظر الأخروي كما قال في عدّة مواطن ومنها قوله: المصالح المتجلية شرعا، والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية.
وكذلك قوله: إن المصالح هي بنظر الشارع لا بنظر المكلف، أي أن حكم الله تعالى في الجزئي (الدليل الخاص) هو الذي يحقق المصلحة، وإن فاتت بعض المصالح لدى النظر القاصر. ومن قوله كذلك: (( إن الكلي لا يقدح بالجزئي ) ). أي أن المصلحة لا تلغي الحكم الخاص بالمسألة، وإن بدا للناظر التعارض، لأنه ما من مسألة إلا ويتجاذب فيها عدة قواعد، فالشارع يلحقها بالأشبه، ولا يعرف الأشبه إلا بالدليل النقلي لا العقلي، ويغلف ذلك كله أن من مقاصد التشريع ومن مصلحة الشريعة هو حصول الابتلاء. اهـ
ويقول رحمه الله: الشارع إنما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلّف عن اتباع هواه حتى يكون عبدا لله. اهـ
فتأمّل أخي المسلم في قول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى وقارن بينه وبين قول من جعلوا الشريعة ألعوبة بيد الناس يستصلحون منها ما يشاءون، ويردون منها ما يريدون؟.
كلامي هذا لا يعني ردّ القواعد وعدم اعتبارها عند الترجيح والنظر، ولا إلغاء المصلحة الشرعية، ولكن القصد من ذلك هو أنه لابد من اعتماد الأدلة الشرعية في الاحتجاج وليس مجرد التشهي والهوى، ففرق كبير بين من نظر إلى مقاصد الشريعة من جهة أنها تسعى لتحقيق الآخرة وأن المقاصد الأخروية هي الغاية وبين من نظر إلى الأحكام على اعتبار دنيوي فقط.
فمنطلقات بعض المفكّرين في تحديد هوية هذا الدين محصورة في أغلب الأحيان في المصلحة الدنيوية وعدم النظر إلى مصلحة الدين والآخرة والذي هو أولى من جميع الضرورات والمصالح بإجماع الأمّة كما قال الشاطبي رحمه الله، فمصلحة الدين مقدمة على أي مصلحة، وضرورة الدين أرجح من كل ضرورة، ولذلك لا قيمة لحظ الإنسان أمام أحكام الشريعة. (نفس المرجع) .
هذا بإيجاز أمّا فيما يخص مفهوم القدرة فأقول:
القدرة أو الاستطاعة أو التمكّن كلمات لها معنى واحد وهو: عدم وجود مانع يمنع من أداء فريضة ما من الفرائض.
فبالعجز وهو عكس القدرة يسقط التكليف سواء في الجهاد أو الصوم أو غيرهما. ليس سقوطا كليّا ولكن إلى حين حصول الاستطاعة: قال تعالى: (وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) وقوله في الحج: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) .. فعلّق الصوم لعارض المرض والحج لقلّة اليد إلى حين ..
كما أنّ هناك فرق بين شرط القدرة في التكاليف الفردية المكلّف بها كل مسلم ولا تسقط عنه بأيّ حال من الأحوال إلاّ عند العجز وبين شرط القدرة في العبادات الجماعية أي التي لا يتحقق بها المقصود إلا بالعمل الجماعي.