بسم الله الرحمن الرحيم
نصيحة المجاهدين بوجوب الاجتماع والائتلاف
والحذر من التفرق والاختلاف
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه.
أما بعد:
فإن الله برحمته ولطفه وكرمه وجوده منَّ علينا ببعثة هذا النبي الكريم الذي أخرجنا به من الظلمات إلى النور، كما قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} ، وإن مما أخرجنا الله به؛ أن أخرجنا من التفرق والاختلاف إلى الاجتماع والائتلاف.
وأنزل عليه صلى الله عليه وسلم كتابا عظيما وأمرنا بالرجوع إليه عند التنازع، رحمةً بنا، فقال سبحانه: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} .
وأوجب علينا تحكيمه في الدقيق والجليل، ونفى الإيمان عن مَنْ لم يتحاكم إليه، فقال سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .
وكان مما أوجب علينا في هذا الكتاب؛ الاجتماع والائتلاف، وحرّم علينا التفرق والاختلاف، وذلك لما يترتب عليه من الخطر العظيم والشر المستطير، كما قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} .
قال ابن إسحق: ( {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} ، أي؛ لا تختلفوا فيتفرق أمركم، {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ، أي؛ فيذهب حدكم، {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، أي؛ إني معكم إذا فعلتم ذلك) .
وقال ابن زيد في قوله: {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} ، قال: (الفشل؛ الضعف عن جهاد عدوه والانكسار لهم فذلك"الفشل") .
وقال مجاهد على قوله: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ، قال: (نصركم) ، قال: (وذهبت ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أحد) .