فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 464

بقلم؛ أبي عبد الصمد السيوطي

لا خلاف في فضل الجهاد في سبيل الله على سائر العبادات، وقد ورد من الأدّلة على ذلك في الكتاب والسنّة ما لا يحصى كتفضيلها على السقاية وعمارة المسجد الحرام وتفضيل النبي لها على الصيام والقيام المتتابع المتواصل، وقد ذكر ذلك العلماء كثيرًا في فضلها ففضّلوها على المجاورة في الحرمين وعلى غير ذلك مما يصعب تقصّيه وحصره.

وكذلك فقد ورد تفضيل العلم والحثُّ عليه وعلى طلبه، وورد في القرآن والسنّة وأقوال أهل العلم ما يؤكّد فضل العلم وعظم منزلته وتفضيله على العبادة وعظم أجره وأجر صاحبه والماشي إليه ونحو ذلك من الفضائل المترتّبة عليه والحضّ على العلم وطلبه.

فمن ها هنا أصبح العلم والجهاد كفرسي رهانٍ يستبقانِ في المنزلة والفضل، وأصبح العلماء والمجاهدون الذين هم أفضل أصناف الأمّة يتسابقون ويتسارعون لحوز الأفضليّة أيّهما يسبق وتعلوا منزلته ويرتفع قدره ومكانته في الدّنيا والآخرة.

وليس المجال مجال تنافسٍ وتشاجرٍ وخلاف بل الجهاد والعلم كلٌّ منهما مكمّلٌ للآخر، يسيران في اتّجاهٍ وخطِّ متوازٍ، فلا يمكن الفصل بينهما ابتداءً فهما متداخلان في الأصل والدّين يكمّل بعضه بعضًا لا سبيل إلى أخذ بعضه وترك بعضه والإعراض عن بعضه.

ومن أهمّ أسباب انحطاط الأمّة وتدهور حالتها وضعف بنيتها الفصل بين هذين الركنين العظيمين من أركان الدين، حّتى كادا لا يجتمعان إلاّ ما رحم الله، فصار العالم قاعدًا في أكثر أمره لا يؤدّي ما فرضه الله عليه وأمره به من الجهاد في سبيل الله والذّود عن حياض الدّين، وأصبح من المجاهدين من يجاهد بلا علمٍ فيفسد أكثر مما يصلح ويضرّ أكثر مما ينفع، ولو أنّ العالم جاهد والمجاهد تعلّم لصلح الأمر واعتدل الحال.

فمن يا ترى المسؤول عن هذه الحالة؟ العالم القاعد الذي ترك الجهاد ورضي بأجر وفضيلة تعليم العلم، أم المجاهد الذي جاهد بلا علمٍ ولا تعلّم ولا حرصٍ على مسائل الدّين؟

هاهنا اختلف الناس وتنازع القوم وتكسّرت النّصال على النّصال فلمّا احتدم القتال وحمي الوطيس أخرج العلماء أنفسهم بمقولة لا هي من كتاب الله ولا من سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا هي تشهد لهم وتدفع عنهم بل أقصى ما تشبّه أن يقال لهم فيها ما قاله عليّ رضي الله عنه: (هذه كلمة حقٍّ يراد بها باطل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت