أشكو إلى الله جلد الفاجر، وعجز التقي
كنت أسير في إحدى شوارع الإسكندرية مع زوج شقيقتي الخدوم الشيخ رفعت حسن، فرأيت رجلا ً ساقه مقطوعة وهو يسير على عكازين ويحمل على رقبته وكتفيه عددا ً من الأواني البلاستيكية المنزلية مختلفة الأحجام، يعرضها للبيع جيئة وذهابا ً في الشارع.
فتعجبت لأمره أشد العجب، فقال لي الشيخ رفعت: إن هذا الرجل يقطع شارع المنتزه الطويل جيئة وذهابا ً بالليل والنهار، والحر والبرد، وهو يستند على عكازية حاملا ً أكبر كمية من البلاستيك يعرضه على الناس، وقال لي: لقد شدني كفاحه النبيل من أجل اللقمة الحلال فاشتريت منه أنا وزوجتي بعض ما نحتاجه من هذه الأواني.
فقلت له: إن هذا الكفاح العظيم من أجل الحلال يهزني بشده من الداخل فحرص هذا وأمثاله ألا تكون يده هي السفلى، وأن يطعم أولاده اللقمة الحلال، مهما كانت ظروفه، تجعلني احتقر عزيمتي وهمتي وأنا السليم المعافى،.
ثم تفكرت في كيفية تحايله على الكسب الحلال رغم إعاقته الشديدة، إذ هداه عقله إلى ربط الأواني البلاستكية التى يبيعها في عنقه وكتفيه، حتى تتفرغ يداه لاستلام ثمن سلعته، والتفرغ كذلك لضبط عكازية الخشبيتين، فقلت والله هذه هي النماذج المشرفة في المجتمع المصري التى تستحق الإشادة والتقدير والتكريم.
وقلت لنفسي ما أحلى الحلال، وما أحلى لحظات هذا الرجل حينما يعود إلى زوجته وأولاده آخر النهار، وقد سعد بانتصاره على نفسه وإعاقته والشيطان الذي يدعوه للحرام أو التسول من الناس، وما أسعده بالجنيهات القليلة التى يعود بها إلى بيته في نهاية هذا المشوار الطويل الذي يقطعه في اليوم الواحد مرات كثيرة، وتذكرت حينها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما أكل أحد طعاما ً قط خيرا ً من عمل يده، وإن نبي الله وداود كان لا يأكل إلا من عمل يده) .
فقلت حقا والله، وتذكرت أن بعض أشقائنا وأحبائنا كانوا يساعدوننا في فترة المحنة، ولكننا لم نكن نشعر بطعم هذا المال فضلا ً عن شعورنا بأن أيدينا كانت هي السفلى، واليد العليا خير من اليد السفلى كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - (واليد العليا هي المعطية، والسفلى هي الآخذة) .