فلما خرجنا وبدأنا العمل والتكسب من جديد شعرنا بطعم آخر لكل قرش نكتسبه من عمل أيدينا، صحيح أننا نشعر بالامتنان والشكر والعرفان لكل من ساعدنا في فترة محنتنا، ولكن ما أجمل وأطيب وأحلى اللقمة التى تأكلها من عرق جبينك، ومن تعب يدك، ومن جهدك الخاص، وكلما تعبت في لقمة العيش كلما سعدت بها.
لقد تدبرت هذا الحديث الشريف طويلا ً، (ما أكل أحد طعاما ً قط خيرا من عمل يده،) سبحان الله، لقد تأملت طويلا ً في كلمة قط التي تفيد الاستثناء. وقلت صدقت يا رسول الله، إنني أمر كل يوم علي ميدان شعبي شهير في الإسكندرية اسمه - ميدان الساعة - يقف فيه مئات الباعة الجائلين، وكل قد حجز مكانه في الميدان منذ الصباح حتي أصبح علما ً عليه بعد مرور سنوات وسنوات عليه، فهذا يبيع الفاكهة، وهذا يبيع البيض، وهذا تخصص في الملابس الداخلية للأطفال، أو الرجال، وآخر يعرض الجبن القديم بل والمش الصعيدي أيضا ً، وآخرين يعرضون أنواعا من الخبز البلدي والفينو وغيرها من أنواع الخبز الغير مدعم.
وفي مرة من المرات هطلت أمطار شديدة عدة أيام متواصلة فقلت في نفسي: أظن أن هؤلاء الباعة سيختفون تماما ً من ميدان الساعة حيث كنت حديث عهد بالحرية وكذلك الإسكندرية، ولكني فوجئت أن جميع الباعة في أماكنهم المعهودة ولم يتحرك أحد منهم، ولكنهم أبدعوا طرقا ً ووسائل لا تخطر علي بال بحيث لا تفسد بضاعتهم من المطر ولا يتركون أماكنهم التي تجلب لهم اللقمة الحلال، حتي باعة الخبز والملابس، وكل الأشياء الأخرى التي تفسد من هذه الأمطار الغزيرة لم يتحركوا من أماكنهم، واستمر كفاحهم في هذا الجو القارس البرودة الملبد بالأمطار الشديدة.
فأعجبني كفاحهم وهمتهم وعزيمتهم، والأغرب من ذلك، إنني رأيت معهم شابا ً مبتور القدمين يتحرك علي عجلة المعوقين المعروفة ويبيع الخبز الجاف بهمة ونشاط، فقلت في نفسي كيف يصمد هذا المعوق أمام هذا الجو الفظيع ويظل ساهرا ً أمام عربته الصغيرة حتي بعد منتصف الليل، فذهبت إليه واشتريت منه، ثم قلت له: هذا ثمن الخبز، أما الجنيهات الأخرى فهي لإعجابي بعزيمتك وهمتك، فتبسم لي ولم يتكلم، فقلت في نفسي لو أن الشباب الذين يبحثون عن الوظائف الحكومية تمتع بربع هذه العزيمة لأصلح نفسه ووطنه، ولكن مشكلته كلها تكمن في ضعف عزيمته وقديما ً قالوا: ذو همة يحي أمة.
وقد ذكرني هذا الرجل بجار لنا قديم كان يسكن في مدينتنا ديروط، ويعمل في مصنع للزيوت والصابون في بني قرة بمحافظة أسيوط وكان بينهما قرابة 45 كم تقريبا ً، وكان هذا الرجل كفيفا ً، وكنت أعجب لهذا الرجل إذ كان يخرج وحده من البيت إلي محطة القطار