فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 464

ليركبه في موعده المحدد، ويعرف محطة بني قرة فينزل وحده، ثم يذهب وحده إلي المصنع، ثم يعود ثانية كل يوم، ولا يغيب عن عمله أو يتأخر عنه أبدا ً.

وكنا نعجب في شبابنا لما يفعله هذا الرجل، كيف يسير هذه المسافات وحده، وكيف يركب القطار وينزل منه وحده، وكان لا يكتفي بذلك بل يذهب بالليل ليسهر مع أصدقائه، ويقضي وحده معظم طلبات البيت، ولو أن جميع الإخوة الذين خرجوا من المعتقلات تمتعوا ببعض همة هذا الشاب في العمل الدنيوي الحلال والعمل للدين والدعوة إلي الله ونشر الخير، لكان حالنا أفضل مما نحن عليه الآن.

ومنذ فترة وأنا أسير في أزحم ميادين الإسكندرية وهو- ميدان الساعة - الذي يعج بالسيارات من كل اتجاه رأيت شابا ً كفيفا ً يسير وحده ودون مساعدة من أحد، ولا يعتمد في سيره إلا علي عصا طويلة رفيعة يمدها أمامه يتحسس بها الطريق، فذهبت إليه وسلمت عليه وقلت له أين تريد الذهاب؟ فقال: أريد أن أركب ميكروباص سيدي بشر؟ فأمسكت بيده حتي أجلسته علي المقعد، وقلت له قبل أن انصرف: أنا أحيي كفاحك في الحياة ومعجب برجولتك وهمتك، فشكرني وانصرفت.

ولعل أغرب الحالات التي قابلتها في حياتي هي حالة أخ معتقل، رأيته في معتقل أبو زعبل الجديد اسمه / حمدي أبو معاوية، وهو من منطقة العمرانية- إمبابة بالقاهرة، وكان مبتور القدمين والساقين، ولما رأيته ذهلت من وجوده بين المعتقلين فسألته عن المدة التي مكثها في الاعتقال؟ فقال: تسع سنوات فقلت له: تسع سنوات كاملة في أسوأ سجن وأنت بهذه الحالة؟ فقال: الله أعانني وصبرني.

فسألت الإخوة عن كيفية حياته في السجن فقالوا هو من أنشطنا، وأكثرنا همة وقياما ً لليل، وصياما ً للنهار، وذكرا ً لله، فقلت كيف يدخل دورة المياه وهي من النوع البلدي في كل السجون؟ قالوا: كان لا يحتاج لمساعدة أحد وكان يزحف علي الأرض حتي يصل إلي الدورة ويضع خشبتين صغيرتين علي المقعدين، ثم يقضي حاجته بصعوبة بالغة، ولم يحصل علي الكرسي المتحرك إلا قبل المبادرة بقليل، فقام بتجويفه من الوسط ليقضي من خلاله حاجته، وقد عجب كثير من المسؤولين عندما رأوه بهذه الحالة ولم نترك سجن أبي زعبل إلا بعد حصولنا علي وعد بالإفراج عنه، وقد كان والحمد لله، وهو الآن يعيش حياته كسائر الناس.

كل ذلك وغيره جعلني أتدبر الحكمة من عمل سيدنا داود عليه السلام بيده، رغم أنه كان ملكا ً علي بني إسرائيل، وهي أعظم أمة مسلمة وقتها، فلا حاجة له إلي العمل والتعب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت