فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 464

والكسب، ولكن للعمل آثار اجتماعية وتربوية ونفسية وإيمانية علي العبد المسلم تفوق ما يتصوره البعض من أنه مجرد وسيلة لكسب العيش، وأكثر سبب في فساد شباب اليوم وانصرافهم عن الدين بل عن جادة الحياة إنما يكمن في انتشار البطالة، وقديما ً قال المربون"المعسكر الذي تسوده البطالة يكثر فيه الشغب".

وقد أمسك رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بيد رجل خشنه يعمل ويتكسب بها فقال (هذه يد يحبها الله ورسوله) ولو رآها بعض الناس اليوم لسخروا من جفافها وخشونتها، وقد تفكرت كثيرا ً في الحكمة فيما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما حينما قال:"كان آدم عليه السلام حراثا، ونوح نجارا ً، وإدريس خياطا، وإبراهيم ولوط زراعيين، وصالح تاجرا ً، وداود زراد، وموسى وشعيب ومحمد صلوات الله عليهم رعاة".

لقد كان الله قادرا ً على أن يغنيهم من فضله، فلا يحتاجون للعمل وخاصة أنها كلها أعمال مرهقة ومجهدة، وقد تشغلهم عن نوافل العبادات أو تبليغ دعوتهم إلى الناس،

ولكنى قلت لنفسي لعلها تربية يريد الله منها أن يربى أنبياءه من خلال هذه الأعمال، فرعى الغنم يولد الصبر والحلم والأناة، مما يؤهل صاحبه لقيادة البشر، والزراعة تعلم الإنسان فهم سنة التدرج في الحياة، حيث يبدأ مع النبات كبذرة صغيرة ثم يتدرج معها في مراحلها المختلفة حتي يري ثمرتها وقد أينعت وحان قطافها، والتجارة تعلم حسن التعامل مع الناس والبشاشة في وجوههم والرفق معهم، وهكذا.

إن التربية علي الكسب الحلال والعمل الجاد تحتاجه الأمة كلها بدء ً من أولادنا وحتي من هم جاوزوا الستين لأن العمل لا يرتبط فقط بالحاجة المادية كما يتصور البعض، ولكن العمل يحي النفوس ويطهرها وينقيها من آفات الكبر والكسل والركون والدعة والاكتئاب وعدم الثقة بالنفس والاعتماد علي الآخرين.

وقد كنت أعمل في أعمال مختلفة منذ أن كان عمري 12 عاما ً، وكذلك معظم أشقائي، وقد أكسبني العمل تحملا ً للمشقة وجدية في الحياة، ولم أترك العمل إلا بعد أن اتجهت إلي العمل الخيري، ثم انضويت بعد ذلك تحت لواء الحركة الإسلامية،

وقد فكرت كيف أدرب أولادي اليوم علي العمل في الأجازات والجدية في الحياة، وعدم تضييع الأوقات فيما لا يفيد دون أن أنتظر من ذلك عائدا ً ماديا ً أو نحو ذلك، ولكني خفت أن يعملوا عند أحد من أرباب الصنعة فتفسد أخلاقهم، أو يتعلموا ما يناقض الأخلاق والدين، وخفت أن أتركهم هكذا دون عمل فيأخذوا الحياة باستخفاف ورعونة، وهكذا يحتار أمثالي في تربية أولادهم علي هذه المعاني الهامة في هذه الحياة التي أضحت كالغابة المسبعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت