فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 464

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لانبي بعده.

إن أول خطوة يتعلمها المجاهد في سبيل الله هي؛ أنه ينزل من التحليق في عالم الأحلام ومن البروج العاجية إلى واقع الارض - يمشي - حيث آلام القتل والقتال, وقد تعلمها نظريا وهو يعيش بين بطون الكتب, يدرس السيرة النبوية وسيرة السلف الصالح.

والذي يبدو لي واضحا جليا أن المجاهد في سبيل الله يتلقى عقيدة التوحيد - عقيدة التوكل - في القضاء والقدر بطريقة عملية لا بطريقة نظرية جدلية باردة لا يشعر احساسها في أعماق النفس البشرية.

وأول ما يطالعنا من نصوص القضاء والقدر؛ عقيدة الأجل والرزق, فالأجل المحدود والأنفاس المحدودة - هذه العقيدة - ما كانت تبرز جلية واضحة للعيان بدون أن تدخل"المختبر"لنرى صدق الكلمات والايمان الحقيقي الذي يكنه الانسان في صدره ... فعدم تردد المؤمن في الاقدام إلى ساحة المعركة إنما هو المؤشر الحقيقي, والعمل التطبيقي لهذا الايمان، لأنه ما الذي يدلنا على صدق العقيدة التي يكنها بين جوانحه اذا بقي المسلم بعيدا عن مواطن القتال؟

إن ولوج المجاهد هذه المخاضة يدفعه بعد ذلك أن لا يحسب للموت أي حساب, فهو قد رأى الموت بأم عينيه عدة مرات, ولم يمت، فبات الذي قرأه في القرآن؛ {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} ، قد أحسه ولمسه واقعا عمليا لا يخالطه شك ولاريب, فهو لا يحجم ولا يتردد خوفا على هذه النفس بل يتوجه بهذه النفس إلى أن تموت الموتة الصحيحة حيث يموت الرجال والأبطال.

إن مما ذكره الشهيد الدكتور عبد الله عزام في مذكراته وهو يجاهد على أرض فلسطين يوم أن كان أميرا لقاعدة بيت المقدس في مرو؛ أنه كان يجلس ذات يوم على"جكيت"له ومعه بعض المجاهدين فجاءت طائرة - إسرائيلية - للعدو وحلقت فوق رؤوسهم على ارتفاع شاهق ثم غابت, وقد قام الشيخ من مكانه ليتوضأ, فجاء محمد صالح عمر - الوزير السوداني المعروف الذي وطأ الدنيا بقدميه وآثر حياة المغاور والخيام - وجلس مكان الشيخ الشهيد, واذا بالطائرة تعود مرة ثانية, وقد اكتشفت القاعدة، فاغارت عليها، فأصيب محمد صالح بشظية قذيفة وخر شهيدا, واحترق"جكيت"الشيخ, ولكن أجله لم يكن قد انتهى بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت