الحركات الإصلاحية في الخليج العربي بين غياب المشروع وفقدان العصبية:
تواجه القوى الإصلاحية في منطقة الجزيرة والخليج العربي أزمة سياسية خانقة تتجلى في أوضح صورها في غياب المشروع السياسي لدى هذه القوى والعجز الحركي والشلل شبه التام عن التأثير في مجرى الأحداث التي تعصف بالمنطقة كلها فدول الخليج العربي تكاد تكون الدول الوحيدة في العالم التي لا أثر يذكر لشعوبها وقواها السياسية في واقعها الذي كان وما زال العامل الخارجي الأجنبي هو المؤثر الرئيس في شئونها منذ سقوط الخلافة العثمانية وسيطرة الاستعمار الغربي على المنطقة بشكل كامل منذ الحرب العالمية الأولى إلى اليوم مع ما يستتبع ذلك من تحول المنطقة إلى ساحة حروب وصراع دولي دائم كانت وما تزال شعوب المنطقة هي الضحية المسلوبة والغنيمة المنهوبة!
ويعود عجز هذه الحركات عن التأثير في واقع المنطقة إلى ثلاثة ظروف موضوعية:
الأول: ظرف خارجي يتمثل في أوضاع المنطقة سياسيا وعسكريا حيث أصبح إقليم الخليج والجزيرة العربية اليوم تحت سيطرة الاستعمار الجديد بشكل جلي مباشر سياسيا وعسكريا ولعل أبرز مظاهر هذا الاستعمار:
1 -القواعد العسكرية التي تحيط بالجزيرة والخليج العربي وتوجد في جميع دوله، وهو ما يعني فقدان السيادة والاستقلال لعدم تكافؤ القوى بين الطرفين الحامي والمحمي، وهو ما دعا الرئيس الأمريكي السابق نيكسون إلى تأكيد أهمية السيطرة على المنطقة عسكريا بقوله (سيتحتم على أمريكا أن تتولى مسئولية ضمان أمن الخليج بقوتها العسكرية، وأن نواصل تكديس المواد مسبقا، ويفرض الواجب علينا تعزيز تسهيلات الإنزال البحري والجوي للقوات الأمريكية في منطقة الخليج العربي) [1] ،وبلا شك فإن السيطرة الخارجية على المنطقة على هذا النحو تعني فقد الشعوب وقواها السياسية القدرة على التأثير في مصيرها بقدر قوة أو ضعف هذه السيطرة الخارجية.
2 -عجز حكوماته عن الحيلولة دون استخدام هذه القواعد ضد الدول العربية والإسلامية كما في حرب أفغانستان والعراق، حيث أصبحت هذه القواعد نقطة انطلاق الاستعمار الجديد لتنفيذ مخططاته الاستعمارية الصليبية الصهيونية في العالم العربي، وقد اعترفت حكومات المنطقة بشكل رسمي، بأنها لا تستطيع منعه من استخدام هذه القواعد، وهو ما يعد إقرارا رسميا حكوميا بفقد دول المنطقة لقرارها السيادي، وفقدها استقلالها الصوري الذي تمتعت به قبيل سنة 1990 م، وخضوعها للنفوذ الاستعماري الصليبي الجديد بشكل مباشر!
الثاني: ظرف داخلي خاص بشعوب المنطقة ذاتها حيث أصبحت أعجز الشعوب عن التفاعل مع ما يجري حولها ويعود ذلك إلى أسباب عدة تاريخية وثقافية وفكرية واجتماعية وسياسية أهمها:
1.غياب الحرية ورسوخ حالة الاستبداد السياسي الذي صادر حقها في المشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية، وتهميش حقها في الرقابة على السلطة وممارساتها السياسية واتفاقياتها الدولية، ومشاركتها المسؤولية والرأي، ومراقبتها، ومحاسبتها في كل ما تأتي وتذر وهو أول وهن دخل على الأمة سهل للاستعمار التنفذ تدريجيا في شؤون المنطقة.
2.قابلية شعوب المنطقة للخضوع للاستبداد الداخلي جعلها أكثر قابلية للخضوع للاستعمار الخارجي وأكثر تأقلما معه، ولهذا لم تعرف المنطقة حركة تحرر وطني من الاحتلال البريطاني الذي سيطر على المنطقة كلها مدة قرن كامل، لم تجد الشعوب والحكومات خلالها مشكلة في وجوده والتعامل معه وخدمته، كما تؤكد ذلك وثائق الخارجية البريطانية، على خلاف الوضع في أكثر دول العالم آنذاك التي رفضت شعوبها الاحتلال وتصدت له حتى تحررت وحصلت على استقلالها! لقد تأقلمت شعوب المنطقة سريعا مع الاحتلال البريطاني آنذاك نفسيا وثقافيا، واستطاع المندوب البريطاني أن يدير وحده شئون الخليج والجزيرة والعراق دون كبير عناء؟! ولعل أخطر ما في الأمر نجاح الاحتلال في توظيف بعض علماء الدين المسلمين في خدمته وخدمة مخططاته الاستعمارية، وإضفاء الشرعية عليها، والتعامل معه كمعاهد لا كمستعمر؟
لقد كانت الروح القومية في ستينات القرن الماضي هي التي كان لها أكبر الأثر في استثارة الشعوب في الخليج والجزيرة العربية ضد الوجود الاستعماري في المنطقة في الوقت الذي استطاع الاحتلال والحكومات الحليفة له تدجين الدين وعلمائه وتحطيم الروح الإسلامية التي ترفض رفضا قاطعا الخضوع للأجنبي وترى الدخول تحت حكمه وسيطرته كفرا يخرج من الإسلام ويصطدم بأصوله القطعية؟ لقد تحدث دكسون المسئول البريطاني في الخليج عن أثر المد القومي على شعوب المنطقة فقال: (والمؤسف في ذلك كله أنه في الوقت الذي يتزايد فيه شعور الشبان المتطرفين القوميين ضد الأجانب وضد البريطانيين بصورة خاصة فإن عرب الصحراء القدامى وكبار تجار المدينة النافذين الذين مازالوا يحبون ويحترمون الإنجليز بدءوا يتحولون ببطء ضد الغربيين لأسباب تختلف تماما، فهؤلاء وهم مؤمنون متدينون يرون في التأثير الغربي بماديته خطرا يهدد عاداتهم وأخلاقهم وتقاليدهم وديانتهم .... وهكذا نجد أن العربي المرح! الذي ينتمي للمدرسة القديمة أصبح ضد الأجنبي على الرغم من أن الأسباب الموجبة لهذا الشعور ليست مماثلة للأسباب الدافعة لأبناء الجيل الجديد؟!) [2] .
ويظهر جليا من كلام دكسون قابلية المجتمعات الخليجية للاستعمار والخضوع للأجنبي التي تكنّ له مشاعر الحب والاحترام!! وأن تحول هذه المشاعر لم يكن بسبب رفضها للاستعمار أو تطلعها للحرية والاستقلال، بل السبب خوفها من قيم الغرب المادية على عاداتها ودينها لكونها مجتمعات مؤمنة متدينة؟! وأنه لولا المد القومي في العالم العربي آنذاك الذي ألقى بظلاله على المنطقة كلها ودفع الشباب في المجتمعات الخليجية للتطلع للحرية والاستقلال لما تغيرت أوضاع المنطقة عما هي عليه قبل ذلك، إذ كان عرب الصحراء وكبار التجار المؤمنون المتدينون يكنون للمستعمر مشاعر الحب والاحترام، ولم تحل ثقافتهم الإسلامية، ولا تدينهم دون الخضوع للأجنبي واحترامه ومحبته مدة قرن كامل بعد تدجين الحكومات دين المجتمع وثقافته على يد بعض رجال الدين أنفسهم لتكون المجتمعات أكثر قابلية واستعدادا للخضوع للاستبداد من جهة والاحتلال من جهة أخرى وإضفاء الشرعية على ذلك الواقع باسم الدين؟! وهذا يفسر لنا سبب تقبل المجتمعات الخليجية عودة الاحتلال وقواعده العسكرية وسيطرته السياسية من جديد على شؤون المنطقة كلها بعد ضعف التيار القومي وانحساره بعد الغزو العراقي للكويت سنة 1990 م ونجاح الاحتلال مرة ثانية في توظيف الدين الإسلامي في خدمته بصدور الفتاوى التي تضفي الشرعية على وجوده وتحرم رفضه أو مقاومته ولو بالكلمة الحرة والوسائل السلمية؟!
3.عدم إدراك هذه الشعوب أوضاع دول المنطقة إدراكا حقيقيا، بل عدم معرفة ماهية الاحتلال وطبيعته، وعدم استشعار وجوده، إذ لا تعد القواعد العسكرية في نظر الخليجيين دليلا عليه، ولا يعد إعلان الحكومات عن عدم قدرتها على اتخاذ قرار سيادي بخصوصها فقدانا للاستقلال في ثقافة المجتمع الخليجي، بدعوى أن وجودها بناء على اتفاقيات حماية! وكذا عدم إدراك خطورة الاحتلال الأجنبي على المنطقة أمنيا وسياسيا واقتصاديا، وعدم معرفتها بأساليبه، ولقد تحدث محمود شاكر عن وسائل الاحتلال الأجنبي البريطاني لمصر فقال (دخلت بريطانيا بلادنا غازية سنة 1882 م، وادعت أنها جاءت لكي توطد لنا أركان عرشنا، وتطفئ نار الفتنة العرابية ـ نسبة إلى قائدها أحمد عرابي ـ كما يسمونها، وزعمت أن بقاءها لن يطول، فلم تمض خمسة أيام حتى ألغت الجيش المصري، ومزقت البحرية المصرية، وأغلقت مصانع السلاح، وسرحت الجنود، وجردت الضباط الصغار من رتبه، وقدمت كبار الضباط للمحاكمة، ووضعت الشرطة كلها تحت سيطرتها المباشرة، وتتبعت الأحرار الذين اشتركوا في الثورة، فقبضت عليهم أو شردتهم .. ) [3] .
إن وجود الحكومات الصورية في نظر شعوب المنطقة كاف في نفي وجود الاحتلال الأجنبي في الثقافة الزائفة! دون إدراك أن الاحتلال الأجنبي أحرص منهم على بقاء مثل هذه الحكومات لتنفيذ مخططاته من خلالها، وأن الأمر كما يقول محمود شاكر (يجب أن نفرق بين الشعب والحكومة، فالحكومة في البلاد المنكوبة بالاحتلال جزء من نظام الاستعمار، ولو زعمت أنها مستقلة في تصريف سياستها، ومن خداع النفس أن يتصور إنسان أن الحكومة تمثل إرادة الشعب، وبخاصة إذا ثبت ثبوتا قاطعا أن جميع حكومات الاستعمار، لم تستنكف أن تعاونه مرات، وأن تخضع لما أراد أن يخضعها له، وأن تبقى في مناصب الحكم وهي تعمل بأمره وتخطب في هواه، فالحكومة والشعب شيئان مختلفان في عهد الاستعمار، وكل معاهدة بين الحكومة والاستعمار باطلة من أساسها، لأنها معاهدة بين المستعمر وصنيعته، لا تتعدى أن تكون معاهدة عقدها المستعمر بينه وبين نفسه) [4] .
4.قدرة الاحتلال الأجنبي على توظيف الدين في خدمته بشكل مباشر أو من خلال توجيه الحكومات للمنابر العلمية، والتعليمية، بل وحتى المساجد، نحو ما يريده الاحتلال الأجنبي، وكما استطاع الاحتلال الفرنسي في الجزائر توظيف علماء الدين المسلمين والطرق الصوفية في خدمته، وتحويل المنابر العلمية إلى منافذ للاستعمار الثقافي تحرم مقاومته وتجيز الخضوع له باسم الدين، تارة بدعوى طاعة أولي الأمر [5] ،وتارة بدعوى المصلحة، وتارة بدعوى عدم القدرة على مواجهته، ومن ثم سقوط الواجب، بل وحرمة المقاومة بدعوى وقوع المفاسد ... الخ
ومثلما نجح البريطانيون في توظيف بعض المرجعيات الشيعية والسنية في العراق بعد احتلاله في الحرب العالمية الأولى، كما أكدته (المس بيل) التي كانت المسئول الأول البريطاني لإدارة شئون العراق بعد احتلاله في الحرب العالمية الأولى (كما إن الذين اشتركوا منا بالدراما سوف لن ينسوا العضد والمؤازرة اللذين قدمهما لنا كل من النقيب ـ السيد عبدالرحمن الكيلاني نقيب بغداد السني ـ والسيد محمد كاظم اليزدي ـ المرجع الشيعي الأعلى ـ على أن فائدة الدرويش ـ أي النقيب الصوفي ـ مثل فائدة المجتهد في هذا الشأن لها حدودها، حيث لم يكن بوسع كل منهما أن يكون في المقدمة، أو أن يجازف بتحمل النقد) [6] .
كذلك استطاع الاحتلال الجديد في الخليج العربي من خلال الحكومات توظيف الدين، والحركات الإسلامية، والقوى السياسية، والمدارس السلفية، والحوزات الشيعية، في خدمته، وإضفاء الشرعية على وجوده، وتحريم مقاومته، تارة بدعوى أن له حكم المعاهد! وتارة بدعوى طاعة ولي الأمر؟! وتارة بدعوى عدم القدرة على مقاومته! وقد استطاع الاحتلال أن يوظف الدين في كل خطوة يخطوها في المنطقة ابتداء من الإفتاء بمشروعية الصلح مع إسرائيل، ثم الإفتاء بتحريم العمليات الإستشهادية في فلسطين، ثم الإفتاء بمشروعية المنع من الدعاء على الأعداء في المساجد، دون إدراك خطورة توجيه ثقافة المجتمع من خلال المساجد نحو ما يخدم وجوده، ويزيل الحاجز النفسي الرافض له، ثم تبرير تطوير المناهج التعليمية لحذف كل ما يعزز روح المقاومة للوجود الأجنبي، ثم صدور الفتاوى في تجريم كل من يتعرض لهذا الوجود واتهامه بالإرهاب ـ بينما لا يصدر في المقابل ما يدعو إلى إخراجه ولو بالطرق السلمية، ولا ما يندد بجرائمه ضد المسلمين في كل مكان ـ ثم في صدور الفتاوى التي تبرر مشروعية ضرب أفغانستان، ثم الإفتاء بمشروعية إعانته على احتلال العراق [7] ،وهكذا استطاع الاحتلال توظيف الإسلام ذاته في إضفاء الشرعية على وجوده وممارساته وتجريم مقاومته ولو بالطرق السلمية!
5.ضعف الحس القومي ـ المرتبط بالعرق والجنس العرقي ـ وضعف الحس الوطني ـ المرتبط بالأرض والوطن ـ لدى شعوب المنطقة وهو ما أدى إلى قبول الوجود الأجنبي لغياب الروح القومية التي ترفض بطبيعتها أي وجود أجنبي على أرضها، وكذا ضعف الحس الوطني الذي يربط الأفراد بأرض الوطن حيث لا يشعر الخليجيون بارتباطهم بأوطانهم بسبب الثقافة القبلية الصحراوية من جهة، حيث الشعور بالانتماء إلى القبيلة مع امتدادها في عدة دول أقوى من الشعور بالانتماء للوطن الذي قسم القبيلة الواحدة، وبسبب شعورهم باكتساب جنسياتهم بالمنح لا بالاستحقاق، وأن حصولهم عليها ونزعها من حق الحكومات التي لم يكن له وجود ولا حدود إلا في ظل الاحتلال البريطاني، بينما وجود الشعوب على هذه الأرض يمتد إلى آلاف السنين وكلها تعود إلى أصل واحد، فأصبحت بعد الاحتلال وقيام الدول الحديثة لا تشعر بالمواطنة لها، بل تعيش حالة من الاغتراب إذ لا تمثل هذه الدول قوميات محددة، ولا تعبر عن هوية حقيقية لهذه القبائل التي توجد على أرض الجزيرة والخليج العربي منذ آلاف السنين؟! ولم تستطع هذه الكيانات المصطنعة إيجاد هوية وطنية بديل تعزز الانتماء إليها، ومع ضعف الحس القومي والحس الوطني لشعوب المنطقة، لم يستطع الحس الديني أن يحول دون قبول الوجود الأجنبي بسبب إمكانية تأويل الدين وتوظيفه، وهو ما لا يمكن مع الشعور القومي والوطني حال وجوده، ولهذا نجح الشيخ عمر المختار في ليبيا، والسيد عبد القادر الجزائري، والشيخ المجاهد عبدالكريم الخطابي والسيد المهدي، في قيادة القبائل في ليبيا والجزائر والمغرب والسودان في حرب تحرير ضد الاحتلال بالروح الدينية، والحمية الإسلامية، وهي الروح التي تم السيطرة عليها اليوم بالخطاب الديني في الجزيرة والخليج العربي، كما سبق للحكومات السيطرة على الروح القومية في الخمسينيات من القرن الماضي لصالح المشروع الاستعماري!
6.انعدام التاريخ النضالي لشعوب المنطقة في العصر الحديث، وعدم وجود القيادات التاريخية المعاصرة التي تلهم الأجيال الجديدة، وتلهب حماسها، وتكون نبراسا لها على طريق الحرية، فعدم قيام حركات تحرر ضد الاحتلال البريطاني جعل ذاكرة المجتمع الخليجي خلوا وصفرا تماما من ثقافة المقاومة، وثقافة الرفض للاستعمار التي يمكن استثمارها لصالح حركة تحرر ضد الاستعمار الجديد، ففي الوقت الذي تحفظ فيه ذاكرة الشعب الجزائري والمصري والمغربي والسوداني والليبي والسوري مئات الأبطال والقيادات التاريخية التي تصدت للاستعمار كعمر المختار، ومصطفى كامل، وأحمد عرابي، وعبد القادر الجزائري، وعبد الكريم الخطابي، ويوسف العظم، وأمين الحسيني وعبد القادر الحسيني ... الخ بالإضافة إلى عشرات المواقف البطولية، والحروب الجهادية ضد الاستعمار، تخلو في المقابل ذاكرة شعوب الخليج والجزيرة العربية من كل ذلك، بل صار صنائع الاستعمار الصليبي هم الأبطال التاريخيين للمجتمعات الخليجية على نمط بطولة كرزاي في أفغانستان والجعفري والجلبي وعلاوي في العراق؟!
7.غياب الوعي السياسي وعدم معرفة المنطقة بالأحزاب السياسية والعمل الحزبي المنظم، ورفض ثقافة المجتمع لها باسم الدين أيضا، مع أنه لا يمكن أن تقوم حركة تحرر ضد الاستعمار، ولو بالضغط السياسي السلمي إلا بأحزاب سياسية تعمل على حشد الجماهير لتنتظم صفوفها خلفها، وتجعل هدفها إخراج الاستعمار، والعمل على تحقيق استقلالها عن الوجود الأجنبي، ولو عن طريق المقاومة السلمية.
8.تشرذم المنطقة وشعبها الواحد إلى سبع دويلات في الجزيرة العربية التي هي مهد العروبة ومهبط الإسلام الذي جاء بالتوحيد، بعد أن كانت قبل الحرب العالمية إقليما واحدا تابعا للخلافة العثمانية!
وقد استطاع الاحتلال البريطاني، ترسيخ هذا الواقع ليسهل عليه السيطرة على المنطقة كلها وفق سياسة فرق تسد، وازداد الوضع تعقيدا تقبل الشعوب هذا الواقع وتأقلمها معه، مع عدم شرعيته، ومع خطورته، فلم يعد لشعوب المنطقة التي تمثل شعبا واحدا وأرضا واحدة منذ آلاف السنين أي قدرة على تغيير واقعها إلى الأفضل، مع أن تعدادها مع اليمن يبلغ نحو خمسين مليون نسمة، وتحولت الجزيرة كلها إلى أكبر قاعدة عسكرية تنطلق منها أكبر الحملات الصليبية على العالم العربي والإسلامي دون أن يكون لشعوبها أي أثر في مجريات الأحداث؟!
ولا شك أن كل هذه الإشكاليات تحول دون وجود حراك شعبي مؤثر في الواقع السياسي لدول الخليج العربي وهو ما يجعل الحديث عن فقه التمكين غير ذي جدوى في ظل ثقافة شعبية وحركية ترفض التمكين بل لا تؤمن به كحق مشروع لها بل تقف أمام من يدعو إليه!
الثالث: ظرف خاص بالحركات الإصلاحية:
ولعل أشد العقبات أمامها عجزها عن حشد العصبية الشعبية حولها وهي من البدهيات فما من أمة تخلصت من الاحتلال الأجنبي أو الاستبداد الداخلي إلا بالقوة التي تتحقق بقيام العصبية التي تتمثل في هذا العصر بالأحزاب السياسية كما حصل على يد الأحزاب الشيوعية التي استطاعت في مدة نصف قرن السيطرة على نصف الكرة الأرضية وكذا الأحزاب الليبيرالية التي قاومتها في أوربا حتى ورثتها وكذا الحال في جنوب أفريقيا بقيادة حزب المؤتمر وجبهة تحرير الجزائر ومنظمة التحرير الفلسطينية وغيرها من المنظمات السياسية التي قادت شعوبها نحو التحرر أو الاستقلال وليس وجود العصبية كاف في إحداث التغيير وتحقق التمكين وإنما لا يتحقق التغيير والتمكين عادة إلا بعصبية ولعل أوضح صورة هو ما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم ودعوته التي لم يتحقق لها التمكين إلا بالعصبية التي آمنت بها وضحت من أجلها.
ومن هنا يظهر جليا سبب عجز الحركات الإصلاحية في الخليج والجزيرة عن التأثير في الواقع السياسي لدولها وهو فقدها لأهم شروط التمكين والتغيير وهو العصبية والتنظيمات السياسية حيث لا زال أكثرها حركات فردية فوضوية أو تجمعات نخبوية ضاغطة تواجه حكومات وراءها قوى استعمارية كبرى لا سبيل لدفعها نحو الإصلاح إلا بالعصبية القوية ولم تتحول القوى الإصلاحية في الخليج بعد إلى أحزاب سياسية شعبية تقود الجماهير نحو مشروع سياسي يعبر عن طموحها بل إنها لا ترى لها الحق في ذلك تحت ضغط وتأثير الثقافة الدينية الرسمية إلا ما كان من تجربة حزب الأمة وهو أول حزب سياسي في المنطقة يتم الإعلان عنه وعن نظامه الأساسي ومشروعه السياسي بشكل جلي!
إن التمكين لمشروع بديل يقتضي وجود المشروع ذاته ووجود العصبية المنظمة التي تناضل من أجل التمكين له ووجود القيادات الشعبية التي تقوده وتلتف حولها الشعوب وكل ذلك يكاد يكون مفقودا في هذه المرحلة التاريخية حيث ما تزال الحكومات الخليجية ومن ورائها الاستعمار الغربي يدير شئون المنطقة وشعوبها دون كبير عناء ودون وجود عقبة إلا من بعض الأصوات الإصلاحية هنا وهناك تحاول جاهدة إصلاح ما يمكن إصلاحه بعيدا عن التغيير الجذري أو الثوري ودون أخذ بأسباب التمكين التي لا يحتاج العلم بها والعمل من أجلها إلى فقه أو فتوى بقدر حاجته إلى إرادة نافذة وعزيمة صادقة ومشروع سياسي واضح المعالم وهو ما ظهرت أرهاصاته في الأوفق ويحتاج على عمل دؤوب واستفادة من تجارب الحركات التغييرية المعاصرة وبلورة مشروع سياسي عام يخرج المنطقة مما هي فيه من تشرذم وضعف واستبداد سياسي واستعمار أجنبي!
[1] ما وراء السلام ص 155.
[2] الكويت وجاراتها (2/ 273) .
[3] جمهرت مقالات محمود شاكر الجزء الثاني ص 916،وقد قامت الولايات المتحدة وبريطانيا بعد احتلال العراق سنة 2003 م والسيطرة على الخليج العربي بالكامل، باتباع نفس السياسة القديمة، فتم حل الجيش العراقي، وتم إلغاء التجنيد الإجباري في الكويت، وتم تقليص عدد أفراد السلك العسكري في كل دول الخليج، وتم إلغاء قوات درع الجزيرة العربية!
[4] المصدر السابق ص 961.
[5] انظر تفاصيل هذا الموضوع في كتاب (دور العلماء في ثورة الجزائر) للنعيمي.
[6] فصول من تاريخ العراق للمس بيل ص 471.
[7] انظر فتوى عميد كلية الشريعة بجامعة الكويت محمد الطبطبائي في صحيفة الوطن عدد 9734 بتاريخ 16/ 3/2003 حول وجوب القتال مع الجيش الأمريكي في حرب احتلال العراق وأن القتال معهم من الجهاد في سبيل الله، ثم فتواه بعد ذلك بأن ما تقوم به المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال هو إرهاب! وانظر فتاوى عبدالمحسن العبيكان في القنوات الفضائية والصحف السعودية حول الموضوع ذاته!