فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 464

فقه التمكين رؤية سياسية في واقع القوى الإصلاحية الخليجية

ورقة مقدمة للمركز العربي

مقدمات ضرورية بين يدي الموضوع:

المقدمة الأولى: في معنى التمكين وأنواعه:

وردت لفظة التمكين في القرآن الكريم في آيات عدة بمعنى الظهور والقدرة ونفوذ الأمر ورسوخه كما في قوله تعالى في قصة يوسف (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض) وكما في موعود الله للمؤمنين (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) .

وهو نوعان تمكين كلي كما حصل لداود وسليمان ومحمد صلى الله عليهم جميعا حيث كان لهم الظهور الكامل ونفوذ الأمر والسلطة التامة.

وتمكين جزئي كما تحقق ليوسف في سلطان عزيز مصر وهو تبوؤه الوزارة ونفوذ أمره فيها.

ولم يتحقق التمكين الكلي أو الجزئي للأنبياء وأتباعهم إلا وفق سنن الله الاجتماعية التي لا تتبدل ولا تتخلف فلم يتمكن داود إلا بعد قتاله جالوت وجنوده، ولم يتمكن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا بعد الابتلاء والجهاد مدة ثلاث عشرة سنة في مكة مارس النبي فيها كل أشكال العمل السياسي من العمل السري وتأسيس الجماعة وتنظيمها واتخاذ مقر لاجتماعاتها في دار ابن الأرقم والبحث عن النصرة وعقد البيعة الثانية في العقبة تحت جنح الظلام بشكل سري على إقامة الدولة في المدينة واختيار النقباء الاثني عشر من الخزرج والأوس ... الخ

كما لم يتحقق التمكين الجزئي ليوسف إلا بعد بيعه في مصر واتخاذ العزيز له خادما وابتلائه حتى وصل إلى الوزارة وفق سنن اجتماعية لبيان أنه حتى الأنبياء لا يخرجون في هذا الباب عن السنن الكونية إذ فيهم من دعا إلى الله وجاهد وقتل ولم يتمكن.

المقدمة الثانية: يجب قبل الحديث عن هذا الموضوع مراعاة عدة حقائق علمية هي:

أولا: أن هذا الموضوع هو من مباحث علم الاجتماع السياسي أو العلوم السياسية الاجتماعية وقد كان للعلامة ابن خلدون قصب السبق في البحث في كيفية قيام الدول وسقوطها وتغير أحوالها وضرورة العصبية التي هي العامل الرئيس في قيام الدول واستمرارها وبناء عليه فليس هذا الموضوع من الموضوعات الفقهية أو الشرعية إلا من جهة الأحكام التي تتعلق بأفعال المكلفين حين يمارسون العمل السياسي ووصفها بالحل أو الحرمة أو الوجوب أي أن هذا الفن نظريا هو من اختصاص أساتذة علم الاجتماع أو العلوم السياسية وليس للفقهاء فيه نصيب إلا بقدر مشاركتهم في تلك العلوم كما ليس للدعاة ولا للعلماء كبير أثر فيه عمليا إلا بقدر مشاركتهم للزعماء السياسيين والقادة الميدانيين في قيادة الشعوب نحو الاستقلال أو الإصلاح السياسي فالرجوع إليهم في هذا الباب من تكليفهم ما لا يستطيعون بل ما لا يحسنون.

ثانيا: أن القرآن والسنة أشارا إلى سنن الله الاجتماعية التي لا تتبدل في تغيير المجتمعات الإنسانية كما في قوله تعالى (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) وفي قراءة (أمّرنا) أي جعلناهم أمراء فأفسدوا فيها فكان ذلك سبب دمارها، وكما في وعد الله الذي لا يتخلف عن نصرة المظلوم إن تصدى للظلم كما في قوله تعالى (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) ،وكما في الصحيح أن الله يقول للمظلوم (وعزتي لأنصرك ولو بعد حين) ،وهي سنة ظاهرة للعيان في كل زمان ومكان فكم رأينا من دولة بطرت وطغت فأدال الله للمستضعفين فيها على المستكبرين، وقد شاهد أهل هذا العصر من ذلك ما يؤكد هذه الحقيقة القرآنية كما حدث لشاه إيران وشايشسكو في رومانيا، وكيف أدال الدولة عليهما، وما جرى في بولندا على يد فاليسيا وحزب التضامن، وما جرى في دول أوربا الشرقية كلها، وما جرى في جنوب أفريقيا على يد مانديلا وحزبه، وغير ذلك من التحولات السياسية الكبرى في العالم، لتدول الدولة للمستضعفين على المستكبرين وهكذا دواليك في كل زمان ومكان، ومن تلك الإشارات ما ورد في الحديث الصحيح (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) ... الخ فالظلم مؤذن بخراب العمران وعدم استقرار البلدان والعدل سبب في استقرارها وازدهارها، وقد أفاضت هدايات القرآن والسنة في بيان أسباب ضعف المجتمعات الإنسانية وتغير أحوالها والسنن الاجتماعية التي تحكمها.

ثالثا: أن تغيير الواقع لا يتم إلا وفق سنن اجتماعية جارية ومن ذلك وجود العصبية التي تتم بها المغالبة والمدافعة فكل حركة تغييرية لا تتخذ من تأسيس العصبية السياسية الدينية أو الفكرية وسيلة لإحداث التغيير وحصول التمكين الكلي أو الجزئي هي حركة عبثية فوضوية كما قال ابن خلدون 1/ 199 (ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء فإن كثيرا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه و الأمر بالمعروف رجاء في الثواب عليه من الله فيكثر أتباعهم والمتلثلثون بهم من الغوغاء والدهماء ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل وأحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها و يهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر كما قدمناه وهكذا كان حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوتهم إلى الله بالعشائر و العصائب وهم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة والله حكيم عليم) .

وقد أدى عدم إدراك هذه المقدمات الضرورية إلى أسوء الأثر على الواقع السياسي ليس في الجزيرة والخليج العربي وحسب بل في العالم العربي كله حيث صارت الحركات الدعوية البديل عن الأحزاب السياسية وعلماء الفقه ورجال الدين البديل عن الزعماء السياسيين وصارت الفتاوى الشرعية البديل عن المشاريع السياسية فوقع الخلل واستعصى الحل في الوقت الذي لا تواجه المجتمعات الأخرى مثل هذه الإشكالية في حراكها السياسي!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت