فالشرط الأول يبقى قائما ومطالبا به المؤمن إلى حين تمكّنه من تحقيق الاستطاعة أمّا الشرط الثاني فيسقط بمجرد وجود طائفة ما ترى في نفسها القدرة على التغيير, وليس شرطا أن تتحقق القدرة في جميع الطوائف بل إنّ تخاذل بعض هذه الطوائف هو الذي يعيق تحقيق القدرة. قال الإمام النووي: (قال أصحابنا: الجهادُ اليوم فرض كفاية إلا أن ينزل الكفار ببلد مسلم, فيتعيّن عليهم الجهاد، فإن لَم يكن في أهل ذلك البلد كفاية, وجب على مَن يليهم تتميم الكفاية) (شرح النووي 8/ 63) .
فافتراض العجز في أمة أو شعب من الشعوب لا يكون بأيّ حال من الأحوال وهو هزيمة نفسية وايمانية وليس عجزا حقيقيا يبرّر القعود.
قال السلف: إن لم يقع ذلك إلاّ لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر .. (شرح النووي على مسلم، 12/ 229) .
وقال العلاّمة عبد الرحمن بن حسن: ولا ريب أن فرض الجهاد باق إلى يوم القيامة، والمخاطب به المؤمنون، فإذا كان هناك طائفة مجتمعة لها منعة وجب عليها أن تجاهد في سبيل الله بما تقدر عليه لا يسقط عنها فرضه بحال، ولا عن جميع الطوائف. (الدرر السنية 7/ 98) .
وقال شيخ الإسلام: ولما كان الجهاد من تمام ذلك - أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- كان الجهاد أيضا كذلك فإذا لم يقم به من يقوم بواجبه أَثِم كل قادر بحسب قدرته، إذ هو واجب على كل إنسان بحسب قدرته. اهـ. الفتاوى (28/ 126) .
وسقوط جهاد الكفّار للعجز ليس معناه عدم مشروعيته, بل اذا قام به فرد جاز له ذلك (استحبابا) .
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) .. قال: هي أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن المنافقين وبالجدّ في القتال في سبيل الله وان لم يساعده أحد على ذلك.
وقال ابن حزم: قال تعالى: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) وهذا خطاب متوجه إلى كل مسلم, فكل أحد مأمور بالجهاد وإن لم يكن معه أحد (المحلى 7/ 351) .
وبما أنّ فريضة الجهاد هي أكثر الفرائض التي اشترط لها بعض علماء العصر شروطا شبه تعجيزية وتوسّعوا بخصوصها في مفهوم القدرة فإننا سنقتصر في حديثنا على شرط القدرة بمفهومها الصحيح على هذه الفريضة.
فالبعض يشترط تكافؤ العدد والعدّة, وبعضهم يشترط توحّد الأمّة, والبعض الآخر يشترطون قاعدة واسعة وشريحة كبيرة من الكوادر وفريق رابع يشترط شروطا قد تكون مستحيلة.
وسنحاول في هذه العجالة أن نناقش ما اشترطوه في القدرة السابق ذكرها نقطة نقطة.
فشرط تكافؤ العدد والعدّة يدحضه قول الله: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) يقول شيخ الإسلام: مدار الشريعة على قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) المفسّر لقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) وعلى قول النبى "إذا أمرتكم فاتوا منه ما استطعتم" أخرجاه في الصحيحين.
جاء في الدرر السنيّة: جهاد الكفّار لا يشترط فيه تكافؤ العدد والعدّة بل إذا قام المسلمون بما أمرهم الله به من جهاد عدوهم، بحسب استطاعتهم، فليتوكلوا على الله، ولا ينظروا إلى قوتهم وأسبابهم، ولا يركنوا إليها، فإن ذلك من الشرك الخفي، ومن أسباب إدالة العدو على المسلمين ووهنهم عن لقاء العدو، لأن الله تبارك وتعالى أمر بفعل السبب، وأن لا يتوكل إلا على الله وحده.
وأيضا: لا تغترّوا بأهل الكفر وما أعطوه من القوّة والعدّة، فإنكم لا تقاتلون إلاّ بأعمالكم، فإن أصلحتموها وصلحت، وعلم الله منكم الصدق في معاملته، وإخلاص النية له، أعانكم عليهم، وأذلّهم، فإنهم عبيده ونواصيهم بيده، وهو الفعّال لما يريد. (الدرر) اهـ