فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 464

يقول سيد رحمه الله: إنّ ميزان القوى ليس في أيدي الكافرين إنما هو في يد الله وحده .. فهي التي تملكه وتعطيه .. فالله هو الفاعل وحده .. وما المؤمنون المجاهدون إلا مأمورون من قبل الله باتّخاذ الوسائل والأسباب وبذل الجهد والوفاء بالتكاليف. اهـ

قلت: بل إنّ التعلّق بهذه الأسباب وإن كثرت وقويت واشتراط كذا وكذا قد تكون سببا من أسباب الهزيمة, والذي قرأ التاريخ يدرك أنّه لم يتفوّق المسلمون على الكافرين والمنافقين في جُلّ المعارك التي خاضوها مع قوى الشر والطغيان في القوى المادية، عتادا كانت أم رجالا .. (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) بل عندما اغترّ المؤمنون بكثرتهم هُزمُوا: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا) .

أما شرط توحّد الأمّة فقد جاءت النصوص تبيّن أنّ "الاختلاف" وهو نقيض التوحّد باق في الأمّة إلى يوم الدين ومنها على سبيل المثال قوله تعالى: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) .

وثبت في الصحيحين أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم سأل ربّه أن لا يهلك أمّته بسنة عامة فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يسلّط عليهم عدوّا من غيرهم فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم فلم يعط ذلك .. وحديث "وستنقسم أمّتي إلى اثنتي عشر فرقة" وحديث "الفسطاط" وكلّها صحيحة.

وممّا جاء أيضا: لا تزال طائفة من أمّتي يقاتلون في سبيل الله لا يضرّهم من خالفم أو خذلهم حتّى يأتي أمر الله أو كما قال. فدلّ على أنّ الاختلاف في الأمّة باق لا محالة وأنّ من مقاصد الجهاد احداث هذا الاختلاف لتمحيص الصفّ وتنقيته خصوصا في زماننا بعد أن كثر الخبث والأدعياء. قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) .

واقرؤوا التاريخ .. هل توحّدت الأمّة منذ أن قتل عثمان رضي الله عنه؟ فإذا كان خلفاء المسلمين وأئمّتهم لم يستطيعوا توحيد الأمّة فكيف بغيرهم؟. بل إنّ الأمّة ازدادت تشتّتا في أحلك ظروفها وبالضبط حين غزا التتار بلاد المسلمين حتّى قال شيخ الإسلام: فهذه الفتنة قد افترق الناس فيها ثلاث فرق: الطائفة المنصورة، وهم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين. والطائفة المخالفة، وهم هؤلاء القوم ومن تحيز إليهم من خبالة المنتسبين إلى الإسلام. والطائفة المخذلة وهم القاعدون عن جهادهم. وإن كانوا صحيحي الإسلام فلينظر الرجل أيكون من الطائفة المنصورة أم من الخاذلة أم من المخالفة فما بقي قسم رابع) الفتاوى 14/ 495.

أمّا شرط "الكوادر" كقول قائلهم كم عندنا من الأطباء والمهندسين و و و فهو شرط غريب لم يقل به أحد من السلف, والحقّ هو قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) وقول نبيّه عليه الصلاة والسلام: ألا إنّ القوّة الرمي (صحيح) .

وقال الصحابي الجليل وهو يخوض معركته:

ركضا إلى الله بغير زاد ... غير التقى وحب المعاد

ان شرط القدرة بمفهومها الشرعي الصحيح هو مجرد التمكّن وإطاقة الفعل والدليل قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) وقول نبيّه عليه الصلاة والسلام: إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن أمر فاجتنبوه (صحيح) . من غير أن يدخل فيه تغليب الظن أو التيقّن من تحصيل المقصود. ذلك أنّ النتائج بيد الله والأسباب والمقدّمات ليست هي التي تنشىء الآثار والنتائج, وإنما هي الإرادة الطليقة التي تنشىء الآثار والنتائج كما تنشىء الأسباب والمقدّمات سواء, والمؤمن يأخذ بالأسباب لأنّه مأمور بالأخذ بها والله هو الذي يقدّر آثارها ونتائجها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت