فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 464

إن قول من يقول: لا نقاتل حتّى نحقق القدرة ولا تتحقق القدرة الاّ عند التيقّن من تحصيل المقصود فهو قول مردود شرعا وعقلا اذ (لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) والنتائج بيده وحده (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) ومن المفكّرين اليوم من يوسّع معنى القدرة حتّى يشترط تيقّن حصول المقصود مضافا إليه تيقّن عدم حصول مفسدة أعظم وليت شعري أيّ الأمرين أعظم مفسدة؟؟ الشرك والكفر المنتشر في البلاد أم الجهاد؟؟ قال السلف: لا مصلحة تعلو وتوازي مصلحة التوحيد، ولا مفسدة تعلو وتوازي مفسدة الشرك والكفر. وقال شيخ الإسلام: فكل الفتن تصغر وتهون أمام فتنة الشرك .. وكل فتنة تُحتمل في سبيل إزالة الفتنة الأكبر؛ ألا وهي فتنة الشرك والكفر .. ! فالقتال وإن كانت تترتب عليه بعض المشاق والآلام والفتن .. إلا أنها كلها تهون في سبيل إزالة فتنة الكفر والشرك. اهـ

قلت: وممّا اتّفق عليه أهل الملّة أنّ النفوس محترمة محفوظة ومطلوبة للإحياء، بحيث إذا دار الأمر بين إحيائها وإتلاف المال عليها، أو إتلافها وإحياء المال كان إحياؤها أولى فإن عارض إحياؤها إماتة الدين، كان إحياء الدين أولى، وإن أدى إلى إماتتها ...

وأختم رسالتي هذه بالسؤال التالي: من الذي يحدّد هذه القدرة ويقدّر عددها وعدّتها؟.

الجواب: أهل الخبرة والعلم بشأن الحرب وفنون القتال والسياسة من أهل البلد.

قال شيخ الإسلام: الواجب أن يعتبرَ في أمور الجهاد برأي أهل الدِّين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا دون أهل الدّنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهرِ الدينِ, فلا يُؤخذ برأيهم, ولا برأي أهل الدِّين الذين لا خبرة لهم في الدنيا). (الاختيارات العلمية) .

وللعلاّمة صديق خان في الروضة باب الجهاد كلاما فيما معناه: وأهل الهند لا يدرون ما عليه أهل المغرب ومن هو أحق بالملك فيهم ونحوه ..

فمعرفة الواقع شرط لازم بدونه لا تصحّ الفتوى. فالفتوى في أي مسألة خصوصا ما يتعلّق بالجهاد يشترط لها شرطان: الدراية التامة بواقع المسألة على وجه الدقة والتفصيل, ومن ثمّ الدراية بالنصوص الشرعية ذات العلاقة بواقع المسألة, وأيّما فتوى لا تراعي هذين الشرطين فهي فتوى باطلة ومردودة على صاحبها. إنه يلزم المفتي أن يكون عالما بالواقع مدركا له وإلا كان الخطأ لصيق فتياه.

قال ابن القيم رحمه الله:(ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:

أحدهما: فهم الواقع فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات، حتى يحيط به علمًا.

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر). اهـ (إعلام الموقعين 1/ 87 - 88)

قلت: فإذا كان العلم بالواقع شرط لصحة الفتوى في في أيّ مسألة من المسائل فهي في أمور الجهاد أولى.

ختاما أقول: إن التعامل مع وعد الله الواقع الظاهر للقلوب أصدق من التعامل مع الواقع الصغير الظاهر للعيون, ولا حلّ لنا ولا نصرا ولا طمأنينة إلاّ بتحقيق الإيمان الصحيح في قلوبنا, والزهد في الدنيا والتجرّد التام للحقّ والاطمئنان إلى قدره ثمّ المضي قدما لحمل التكاليف والواجبات دون هلع ولا جزع.

مواضيع أخرى متعلقة:

هل جرَّ المجاهدون الأمة إلى معركة غير متكافئة؟

شبهات ذات علاقة:

شبهة: ما فائدة تكفير الحكام مع عدم القدرة على قتالهم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت