جمُّ الإعطاء، يخشى لهذا أَن يستبق عقل صاحبه، فيزيد في عدد الكلمات والحروف التي يلقي بها عليه، من حيث لا يدري، لذا؛ فكن ضنينًا بالكلمات والحروف التي تلقي بها عليه، وإلا فأَلق به جانبًا، وأَنس أنه كان لك يومًا قلمٌ تألفه ويأْلفك».
إنها والله نصيحة عظيمة نابعة من أعماق القلب، كيف لا، وقائلها ممن دانت له لغة الضاد، فأمسك بها أو أمسكت به، فهو يطوّعها كيف يشاء، إنها منحة من الله.
فيا أخي، رويدًا رويدًا فيما تكتب، ولا تجعل الكتابة أكبر همك، ولا تكن من هؤلاء الذين ملئت الساحات بهم، في المنتديات والصحف والفضائيات، فمهما كان تخصصه - هذا إن أتقنه - فهو يخوض في كلّ الميادين، فما أن يجد شيئًا على الساحة إلا وأعمل قلمه فيه، دون وعي. أصبحت ترى الصحفي الذي يكتب مقالات اجتماعية ركيكة مبتذلة - داؤها أكثر من دوائها - يخوض في الدِّين، فيصحح ويخطئ، ويفتي، ويأتي بالأدلة (من ذاكرته بحسب تعبير أحدهم) ، ويقيس الأمور بحسب العادات الاجتماعية، بل إنه يحتج في الأمور الشرعية بما قاله فلان في أغنيته! وغير ذلك من الهذيان الذي يستحي منه الصبيان، نسأل الله حفظ اللسان.
وذاك آخر يحمل شهادة في التاريخ يُنظِّر ويُقعِّد، ويزبد ويرعد، ويطلب ويُطالب، فذكّرني بقول أحدهم واصفًا أحوال هؤلاء: «رياضي يُبتلى بالعشق فيبدأ بنظم الخواطر وقرظ الشعر وهو لا يُجيد حتى قرظ الشعير، وكُلّ يوم يُطل علينا بقصيدة لا تختلف عن العصيدة، سوى أنا نستفيد من الثانية بأكلها. وأديب يُصاب بهوس تقمص المُحلل الأوحد للعبة القذرة (السياسة) ويبدأ بتنظيرات لا تُجاوز كونها خربشات (طفل) لدى أهل التخصص. وشيخ قبيلة أو كبير عائلة تحترمهُ جماعتهُ، ويُقدرونه يُصبح المُفتي والسياسي والخبير الاستراتيجي و (كُل شيء) ، وقولُهُ يقطعُ قول كُل خطيب، والقولُ ما قاله هو ولو خرم الشرع والعقل» .
ولم يقتصر الأمر على هذا، بل تجد بعض النساء اللواتي يحملن الشهادات الأدبية يُفتين وينظرن في الدّين!
تقول إحداهن - وهي من اللواتي نصبن العداء لهذا الدين: «النقاب بدعة غير حميدة، ولم يعرفها المسلمون الأوائل، فإن حجاب المرأة في البيت وفرض سواد الأقمشة حتى تختفي، لم يحصل إلا بعد أن استشرت تجارة الرقيق في العصر العباسي .. » ، وتقول: «إن مسألة النقاب كلها تدور حول سوء الظن بالمرأة الحرة وقدرتها على خوض الحياة بلا حاجز أو حاجب» !