فهرس الكتاب
أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يُخرج، إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار ارجع واعبد ربك ببلدك فرجع.
رابعًا: الخلق الحسن ثمرته صلاح ذات البين في أوساط الدعاة والمجاهدين في سبيل الله عز وجل وهذا فيه ما فيه من الخير والفلاح وقوة شوكة المجاهدين وتماسك صفهم ولم شعثهم.
وهذا أمر يحبه الله ويثيب عليه في الدنيا والآخرة {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا واحدًا كأنهم بنيان مرصوص} ، وحذر الله من خلافه {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} .
فإن حدوث النزاع وطروء الخلاف وسوء الخلق أمر طبيعي قد يعتري الدعاة والمجاهدين لكن لا ينبغي أن يكون إلا استثناءً سرعان ما يزول ويتلاشى غباره ولقد وقع من هذا شيء بين صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
روى الإمام أحمد بسنده عن أبي أمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فأنتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء يقول على سواء.
وفي ذلك نزل قول الله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} .
وفي الحديث المشهور (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي صحيح الجامع 2595] .
خامسًا: إن الخلق الحسن أدعى إلى الدوام في طريق الدعوة والجهاد والثبات عليه وتفسير ذلك واضح فإنك تتعامل مع بشر يخطئون ويصيبون فيهم الخير والفضل والصلاح والبر والإحسان، وفيهم كذلك الأخطاء والزلات والعثرات والهنات، فمن وطن نفسه على الأخلاق الحسنة من الصبر والصفح وكف الأذى وتحمله وكظم الغيظ وإسداء المعروف وعدم التطلع إليه واجتنب الأخلاق السيئة من الغيبة والنميمة والهمز واللمز والسب والطعن والتجسس والمقاطعة والمدابرة وغير ذلك ذُلِّل له الطريق وسُهِّل عليه الاستمرار ويُسِّر له الدوام على هذا الخير فلعل المرء بذلك يدخل في غمار قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلَّ) [متفق عليه من حديث عائشة] .
ويجنب نفسه وعمله ما ورد في الحديث الآخر (وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل) [رواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير صحيح الجامع 179] .