وقد نبه ابن قدامة رحمه الله في"المغني"على هذه القاعدة، وذكرها قاعدة إجماعية بين المسلمين، ونظمها الشيخ محمد عالي رحمه الله في قوله:
تسمية العين بغير اسمها ... لا تنقل الأعيان عن حكمها
لا تقتضي منعا ولا تقتضي ... إثبات حق ليس في قسمها
بل حكمها من قبل في أمسها ... كحكمها من بعد في يومها
فائدة مهمة ينبغي ... إيقاف من يفتي على فهمها
وهذه القاعدة يترتب عليها أنما سماه النبي صلى الله عليه وسلم؛ صورة، وهو ما كان من النحت من الحجارة أو من الطين أو من الخشب وما كان من النسيج أو من الرسم بالريشة أو باليد، فهذا هو المحرم، إذا كان الذي يصور به ذا نفس - أي حيا -
أما ما سوى ذالك؛ فتسميته صورة لا تدل على تحريمه.
لأنه مجرد انعكاس كانعكاس صورة الوجه في المرآة، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له مرآة، وكان ينظر فيها، فلو كان التصوير عن طريق الآلة حراما لكان النظر في المرآت حراما، فلذالك لا تدل النصوص دلالة بمنطوقها ولا بمفهومها على تحريم التصوير الفوتوغرافي.
ولا تدل كذالك بالعلة التي بينها النبي صلى الله عليه و سلم على تحريمه، لأنه بين العلة؛ و هي أنهم يضاهون خلق الله: (فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة) .
والمصور الفوتوغرافي لا يضاهي خلق الله، وإنما يحبس ظل خلق الله كما هو.
ولذالك فالتصوير الحقيقي المحرم - الذي هو بالرسم أو النحت - لا يتقنه إلا من كان من أهل المهارة والدربة، ويتنافس الناس فيه، وهو غالي الثمن، ولم يستثني النبي صلى الله عليه وسلم منه إلا رقما في ثوب، فالرقم في الثوب منه مباح - أي الشيء اليسير الصغير - وما عدى ذالك حرمه.
أما التصوير الفوتوغرافي فيفعله الصبيان والصغار، ومن ليست لديهم أية مهارة في الرسم؛ فدل هذا على أنه ليس مضاهاة لخلق الله.
ولا ينسب إلى فاعله، فأنت إذا رأيت صورة لا يمكن أن تسأل من الذي صور هذه الصورة؟ أو من الذي فعلها؟ فليس فيها مهارة في الواقع، لأن العبرة بالجهاز ودقته وجودة ألوانه، فالعبرة بالآلة التي صورت.
وعلى هذا فلا يحرم من التصوير الفوتوغرافي إلا ما كان تصويرا لما لا يحل النظر إليه، فما لا يجوز النظر إليه - كالعورات وكالنساء المتكشفات - لا يحل تصويره ولا اقتناء صوره، وما يجوز النظر إليه بالمباشرة؛ يجوز اقتناء صوره، لأي هدف من الأهداف، سواء كان ذالك للتعريف - كالصور التي توضع في جوازات السفر أو في بطاقات التعريف - أو كان لغير ذالك، فليس هو محل ضرورة حتى يقتصر عليها، بل يجوز مطلقا، حتى للذكرى.
الشيخ محمد الحسن ولد الددو الشنقيطي