على أنه إذا نزل العدو الكافر ببلد تَعَيَّن على أهله قتالهم - أي صار دفع الكافرين فرض عين على المسلمين بهذه البلدة - فهاهم المسلمون وعدوهم في دار واحدة، وقد فقد المسلمون استقلالية دارهم بالغزو، ومع ذلك يجب عليهم القتال عَيْنًا إجماعا [[1] ].
إن الخروج على الحاكم المرتد هو أمر منوط بالقدرة، ويختلف من بلد إلى بلد، ويتكلم فيه أهل الخبرة من الناحية التنفيذية، وإذا علم الله سبحانه حسن النية من طائفة مجاهدة فسيهديهم وييسر لهم ما فيه مرضاته، قال تعالى: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} .
أما القاعدون عن هذا الجهاد المتعين؛ فلم يكتفوا بالقعود بل هم يثبطون غيرهم ويخذلونهم بهذه الشبهات التي هي عقوبة قدرية لهم على قعودهم وتخلفهم، كما قال تعالى: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ} ، فلما تخلفوا طَبَع الله على قلوبهم بعدم الفقه فأخذوا يُنَقِّبون عن الشبهات ليبرروا تخلفهم وليثبطوا غيرهم فيحملوا أوزارهم مع أوزارهم. وهكذا سيئة تولِّد سيئة، قال تعالى: {إِلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} .
إن هذا القول باشتراط تَمَيُّز الدارين لوجوب الجهاد هو قول فاسد، وهو يفضي إلى تعطيل الجهاد خاصة جهاد الدفع.
قلت: كذلك فإن هذا القول باشتراط تميز الدارين معناه الإستسلام للأمر الواقع والسكوت عن هؤلاء الطواغيت الحاكمين لبلاد المسلمين، ومعناه إسقاط فريضة الجهاد المتعين على أعيان المسلمين بهذه البلاد، وهذا القول يفضي إلى استئصال الإسلام بالكلية من هذه البلاد في زمن يسير. نعوذ بالله من ذلك - ولكنه غير مستبعد - فكم من بلاد قامت بها ممالك إسلامية عظيمة ثم هي اليوم ديار كُفْر، صار فيها الإسلام أثرا بعد عين، كالأندلس والتركستان وبخارى وسمرقند والبلقان وغيرها، وكم من بلاد أَسْقَط فيها أشياع هؤلاء المخذلين الجهاد بشبهاتهم الشيطانية، كما حدث في الهند وكانت مملكة إسلامية فاحتلها الإنجليز، وأسقط علماء السوء الجهاد بحجة أن الإنجليز هم أولوا الأمر الواجب طاعتهم لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [[2] ]، ولله الأمر من قبل ومن بعد. وهذا مثال لما رُوِي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مما يهدم الدين: (جدال المنافق بالقرآن) .
(1) الاختيارات الفقهية لابن تيمية (309) .
(2) نقل هذه الشبهات محمد رشيد رضا في تفسيره المنار.