فصل والفرقة الثانية يقال لهم الربانيون وهم أكثر عددا وفيهم الحخاميم الكذابون على الله الذين زعموا أن الله كان يخاطب جميعهم في كل مسألة بالصوت الذي يسمونه بث قول وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم فإن الحخاميم أو هموهم بأن الذبائح لا يحل منها إلا ما كان على الشروط التي ذكروها فإن سائر الأمم لا تعرف هذا وأنه شيء خصوا به وميزوا بهم عمن سواهم وأن الله شرفهم به كرامة لهم فصار الواحد منهم ينظر إلى من ليس على نحلته كما ينظر إلى الدابة وينظرالى ذبائحه كما ينظر إلى الميتة وأما القرابون فأكثرهم خرجوا إلى دين الإسلام ونفعهم تمسكهم بالظواهر وعدم تحريفها إلى ان لم يبق منهم إلا القليل لأنهم أقرب استعدادا لقبول الإسلام لأمرين أحدهما إساءة ظنهم بالفقهاء الكذابين المفترين على الله وطعنهم عليهم الثاني تمسكهم بالظواهر وعدم تحريفها وأبطال معانيها
وأما أولئك الربانيون فإن فقهاءهم وحخاميمهم حصروا في مثل سم الخياط بما وضعوا لهم من التشديدات والآصار والأغلال المضافة إلى الآصار والأغلال التي شرعها الله عقوبة لهم وكان لهم في ذلك مقاصد منها أنهم قصدوا بذلك مبالغتهم في مضادة مذاهب الأمم حتى لا يختلطوا بهم فيؤدي اختلاطهم بهم إلى موافقتهم والخروج من السبت واليهودية القصد الثاني أن اليهود مبدون في شرق الأرض وغربها وجنوبها كما قال تعالى وقطعناهم في الأرض أمما حيل حخاميمهم الدنيئة
وما من حماعة منهم في بلدة إلا إذا قدم عليهم رجل من أهل دينهم من بلاد بعيدة يظهر لهم الخشونة في دينه والمبالغة في الاحتياط فإن كان فقهائهم شرع في إنكار أشياء عليهم يوهمهم قلة دينهم وعلمهم وكلما شدد عليهم قالوا هذا هو العالم فأعلمهم أعظمهم تشديدا عليهم فتراه أول ما ينزل عليهم لا يأكل من أطعمتهم وذبائحهم ويتأمل سكين الذباح ويشرع في الإنكار عليه ببعض أمره ويقول لا آكل إلا من ذبيحة يدي فتراهم معه في عذاب ويقولون هذا عالم غريب قدم علينا فلا يزال ينكر عليهم الحلال ويشدد عليهم الآصار والأغلال ويفتح لهم أبواب المكر والاحتيال وكلما فعل هذا قالوا هذا العالم الرباني والحخيم الفاضل فإذا رآه رئيسهم قد مشى حاله وقبل بينهم مقاله وزن نفسه معه فإذا رأى أنه ازدرى به وطعن عليه لم يقبل منه فإن الناس في الغالب يميلون مع الغريب وينسبه أصحابه إلى الجهل وقلة الدين ولا