افترى عرفوا قوته بالقبض عليه وشد يديه بالحبال وربطه على خشبة الصليب ودق المسامير في يديه ورجليه ووضع تاج الشوك على رأسه وهو يستغيث ولا يغاث وما كان المسيح يدخل بيت المقدس الا وهو مغلوب مقهور مستخف في غالب احواله ولو صح مجيء هذه الالفاظ صحة لا تدفع وصحت ترجمتها كما ذكروه لكان معناها ان معرفة الله والايمان به وذكره ودينه وشرعه حل في تلك البقعة وبيت المقدس لما ظهر فيه دين المسيح بعد دفعه حصل فيه من الايمان بالله ومعرفته ما لم يكن قبل ذلك
وجماع الامر ان النبوات المتقدمة والكتب الالهية لم تنطق بحرف واحد يقتضي ان يكون ابن البشر الها تاما اله حق من اله حق وانه غير مصنوع ولا مربوب بل بم يخصه الا بما خص به اخوه واولى الناس به محمد بن عبد الله في قوله انه عبد الله ورسوله وكلمته القاها الى مريم وروح منه وكتب الانبياء المتقدمة وسائر النبوات موافقة لما اخبر به محمد صلى الله عليه و سلم وذلك كله يصدق بعضه بعضا وجميع ما تستدل به المثلثة عباد الصليب على الهية المسيح من الفاظ وكلمات في الكتب فانها مشتركة بين المسيح وغيره كتسميته ابا وكلمة وروح حق والها وكذلك ما اطلق من حلول روح القدس فيه وظهور الرب فيه او في مكانه
وقد وقع في نظير شركهم وكفرهم طوائف من المنتسبين الى الاسلام واشتبه عليهم ما يحل في قلوب العارفين من الايمان به ومعرفته ونوره وهداه فطنوا ان ذلك نفس ذات الرب وقد قال تعالى المثل الاعلى وقال وله المثل الاعلى في السموات والارض وهو العزيز الحكيم وهو ما في قلوب ملائكته وانبيائه وعباده المؤمنين من الايمان به ومعرفته ومحبته وإجلاله وتعظيمه وهو نظير قوله فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وقوله وهو الله في السموات وفي الارض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون وقوله وهو الذي في السماء أله وفي الارض أله وهو الحكيم العليم فأولياء الله يعرفونه ويحبونه ويجلونه ويقال هو في قلوبهم والمراد محبته ومعرفته والمثل الاعلى في قلوبهم لانفس ذاته وهذا امر يعتاده الناس في مخاطباتهم ومحاوراتهم يقول الانسان لغيره انت في قلبي ولا زلت في عيني كما قال القائل ... ومن عجب اني أحن اليهم ... وأسأل عنهم من لقيت وهم معي ... وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين اضلعي ...
وقال آخر ... خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب