علمائهم وهم اقل القليل وهم الذين اختاروا الكفر على الايمان بعد تبين الهدى وأي اشكال يقع للعقل في ذلك فلم يزل في الناس من يختار الباطل فمنهم من يختاره جهلا وتقليدا لمن يحسن الظن به ومنهم من يختاره مع علمه ببطلانه كبرا وعلوا ومنهم من يختاره طمعا ورغبة في مأكل أو جاه أو رياسة ومنهم من يختاره حسدا وبغيا ومنهم من يختاره محبة في صورة وعشقا ومنهم من يختاره خشية ومنهم من يختاره راحة ودعة فلم تنحصر اسباب اختبار الكفر في حب الرياسة والمأكلة من آمن بالنبي من رؤساء الناصى
فصل وأما المسألة الثانية وهي قولكم هب أنهم اختاروا الكفر لذلك فهل لا اتبع الحق من لا رياسة له ولا مأكلة اما اختبارا واما قهرا فجوابه من وجوه
أحدها انا قد بينا ان أكثر من ذكرتم قد آمن بالرسول وصدقه اختيارا لا اضطرارا وأكثرهم اولوا العقول والاحلام والعلوم ممن لا يحصيهم الا الله فرقعة الاسلام انما انتشرت في الشرق والغرب باسلام اكثر الطوائف فدخلوا في دين الله افواجا حتى صار الكفار معهم تحت الذلة والصغار وقد بينا ان الذين اسلموا من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين أكثر من الذين لم يسلموا وانه انما بقي منهم أقل القليل وقد دخل في دين الاسلام من ملوك الطوائف ورؤسائهم في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم خلق كثير وهذا ملك النصارى علىإقليم الحبشة في زمن النبي صلى الله عليه و سلم لما تبين له انه رسول الله آمن به دخل في دينه وآوى اصحابه ومنعهم من أعدائهم وقصته اشهر من أن تذكر ولما مات اعلم رسول الله صلى الله عليه و سلم اصحابه بالساعة التي توفي فيها وبينهما مسيرة شهر ثم خرج بهم الى المصلى وصلى عليه فروي الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام المخزومي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا على أن يبعثوا الى التجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة وكان من أعجب ما يأتيه منها الادم فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارته بطريقا الا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وعمرو بن العاص وأمروهما أمرهم وقالوا لهما ادفعا الى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ثم قدموا الى النجاشي هداياه ثم سلوه أن يسلمهم اليكم قبل أن يكلمهم قالت فخرجنا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جوار فلم يبق من بطارقته بطريق الا دفعا اليه هديته