فهرس الكتاب
ومن أبرز العلماء الذين عرضوا لمسألة الرقص عند الصوفية: الإمام المجتهد عز الدين بن عبد السلام في كتابه (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) فقد عرض فيه لمسألة سماع الصوفية، وحرر فيه كلاما في غاية التوازن والاعتدال، ثم إنه - وإن أباح بعض أقسام السماع - حط على من يرقص ويصفق عنده فقال:
وأما الرقص والتصفيق فخفة ورعونة، مشبهة لرعونة الإناث، لا يفعلها إلا راعن أو متصنع كذاب، وكيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه وذهب قلبه، وقد قال - عليه السلام: «خَيْرُ الْقُرُوْنِ قَرْنِيْ، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنَهُمْ ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنَهُمْ» (1) ، ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يُقتدى بهم يفعل شيئا من ذلك. وإنما استحوذ الشيطان على قوم يظنون أن طربهم عند السماع إنما هو متعلق بالله عز وجل، ولقد مانوا (2) فيما قالوا، وكذبوا فيما ادعوا، من جهة أنهم عند سماع المطربات (الأشياء المطربة) وجدوا لذتين اثنتين:
إحداهما لذة المعارف والأحوال المتعلقة بذي الجلال.
والثانية: لذة الأصوات والنغمات والكلمات الموزونات الموجبات لِلَذّات النفس، التي ليست من الدين ولا متعلقة بأمور الدين، فلما عظمت عندهم اللذتان غلطوا فظنوا أن مجموع اللذة إنما حصل بالمعارف والأحوال، وليس كذلك بل الأغلب عليهم حصول لذات النفوس التي ليست من الدين بشيء. وقد حرم بعض العلماء التصفيق لقوله عليه السلام: «إِنَّمَا التَّصْفِيْقُ لِلنِّسَاءِ» (3) ، «وَلَعَنَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اَلْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَالْمُتَشَبِّهِيْنَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ» (4) ، ومن
(1) متفق عليه عن ابن مسعود وعن عمران بن حصين. كما في اللؤلؤ والمرجان (1646،1647) . رواه البخاري في كتاب الشهادات (2651) ومسلم في كتاب فضائل الصحابة (2535) .
(2) مانوا: كذبوا، والمين هو: الكذب.
(3) متفق عليه عن أبي هريرة كما في اللؤلؤ والمرجان (244) . رواه البخاري في كتاب العمل في الصلاة (1204) ومسلم في كتاب الصلاة (9514) .
(4) رواه البخاري في اللباس [5885] عن ابن عباس.