الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 464
أَلَّا مفسرة تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ أحسنوا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ بالوأد رضي اللّه عنهما: هذه آية محكمات لم ينسخهن شيء في جميع الكتب، وهن محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار. وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ الآيات اهـ.
وتقدم عن غيره أن أول التوراة أول هذه السورة إلى قوله: وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ اهـ شيخنا.
قوله: (أن) (مفسرة) عبارة السمين: في أن أوجه، أحدها: أن أن تفسيرية لأنه تقدمها ما هو بمعنى القول لا حروفه ولا ناهية وتشركوا مجزوم بها، وهذا وجه ظاهر وهو اختيار الفراء، فإن قلت إذا جعلت أن مفسرة لفعل التلاوة هو متعلق بما حرم ربكم وجب أن يكون ما بعده منهيا عنه محرما كله كالشرك، وما بعده مما دخل عليه حرف النهي فما تصنع بالأوامر؟ قلت: لما وردت هذه الأوامر مع النواهي وتقدمهن جميعا فعل التحريم واشتركن في الدخول تحت حكمه علم أن التحريم راجع إلى أضدادها، وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان وترك العدل في القول ونكث العهد. قال الشيخ: وأما عطف هذه الأوامر فيحتمل وجهين، أحدهما: أنها ليست معطوفة على المناهي قبلها لئلا يلزم انسحاب التحريم عليها حيث كانت في حيز أن التفسيرية، بل هي معطوفة على قوله: أَتْلُ ما حَرَّمَ أمرهم أولا بأمر يترتب عليه ذكر معناه، ثم أمرهم ثانيا بأوامر، وهذا معنى واضح. والثاني: أن تكون الأوامر معطوفة على المناهي وداخلة تحت أن التفسيرية، ويصح ذلك على تقدير محذوف تكون أن مفسرة له وللمنطوق قبله الذي دل على حذفه، والتقدير: وما أمركم به فحذف وما أمركم به لدلالة ما حرم عليه، لأن معنى ما حرم ربكم عليكم ما نهاكم ربكم عنه، فالمعنى: تعالوا أتل ما نهاكم ربكم عنه وما أمركم به، وإذا كان التقدير هكذا صح أن تكون أن تفسيرية لفعل النهي الدال عليه التحريم وفعل الأمر المحذوف، وهذا لا نعلم فيه خلافا بخلاف الجمل المتباينة بالخبر وبالاستفهام والإنشاء، فإن في جواز العطف فيها خلافا اهـ.
الوجه الثاني: أن تكون أن ناصبة للفعل بعدها وهي وما في حيزها في محل نصب بدلا من ما حرم. الوجه الثالث: أنها الناصبة أيضا وهي وما في حيزها بدل من العائد المحذوف، إذ التقدير ما حرمه وهذا في المعنى كالذي قبله ولا على هذين الوجهين زائدة لئلا يفسد المعنى كزيادتها في قوله تعالى: أَلَّا تَسْجُدَ [الاعراف: 12] ولئلا يعلم، فإن قلت: فما تصنع بقوله: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ فيمن قرأ بالفتح، وإنما يستقيم عطفه على أن لا تشركوا إذا جعلت أن هي الناصبة حتى يكون المعنى أتل عليكم نفي الإشراك، وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيما قلت أجعل قوله:
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا علة للاتباع بتقدير اللام كقوله: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18] بمعنى ولأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، والدليل عليه القراءة بالكسر كأنه قيل:
واتبعوا صراطي لأنه مستقيم أو واتبعوا صراطي إنه مستقيم. الوجه الرابع: أن تكون أن الناصبة وما في حيزها منصوب على الإغراء بعليكم، ويكون الكلام قد تم عند قوله ربكم، ثم ابتدأ فقال: عليكم أن لا تشركوا أي الزموا نفي الإشراك وعدمه، وهذا وإن كان ذكره جماعة كما نقله ابن الأنباري ضعيف