الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 11
بأرض بعيدة يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ بأن يقبل عليكم ولا يلتفت لغيركم وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ أي بعد قتل يوسف أو طرحه قَوْمًا صالِحِينَ (9) بأن تتوبوا
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ هو يهودا لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ الأسود، أو يموت في تلك الأرض البعيدة اهـ خازن.
وفي القرطبي: وإنما قالوا هذا لأن خبر المنام بلغهم، فتشاوروا في كيده اهـ.
فإن قلت: الذي فعله إخوة يوسف بيوسف هو محض الحسد، والحسد من أمهات الكبائر، وكذلك نسبة أبيهم إلى الضلال وهو من محض العقوق وهو من الكبائر أيضا، وكل ذلك قادح في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، فما الجواب عنه؟ قلت: لأن هذه الأفعال إنما صدرت من إخوة يوسف قبل ثبوت النبوة لهم، والمعتبر في عصمة الأنبياء هو وقت حصول النبوة لا قبلها. وقيل: كانوا وقت هذه الأفعال مراهقين غير بالغين ولا تكليف عليهم قبل البلوغ، فعلى هذا لم تكن هذه الأفعال قادحة في عصمة الأنبياء عليهم السّلام اهـ خازن.
وفي الكرخي: فإن قلت: كيف قالوا ذلك وهم أنبياء؟ قلنا: لم يكونوا أنبياء على الصحيح، وبتقدير أنهم كانوا أنبياء فإنما قالوا ذلك قبل نبوتهم. فالجواب: بأن ذلك من الصغائر أو بأنهم قالوه في صغرهم ضعيف اهـ.
وقال محمد بن إسحاق: اشتمل فعلهم هذا على جرائم كثيرة من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له، والغدر بالأمانة وترك العهد والكذب مع أبيهم، وقد عفا اللّه عن ذلك كله حتى لا ييأس أحد من رحمة اللّه. وقال بعض أهل العلم: عزموا على قتله وعصمهم اللّه رحمة بهم، ولو فعلوا ذلك لهلكوا جميعا وكل ذلك قبل أن نبأهم اللّه اهـ.
قوله: أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا في نصبه ثلاثة أوجه، أحدهما: أن يكون منصوبا على إسقاط الخافض أي في أرض كقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: 16] وإليه ذهب الحوفي وابن عطية. الثاني: النصب على الظرفية قال الزمخشري: أي أرض منكورة مجهولة بعيدة من العمران وهو معنى تنكيرها واخلائها من الناس، ولأنها من هذا الوجه نصبت نصب الظروف المبهمة. والثالث:
أنها مفعول ثان، وذلك أن يضمن اطرحوه معنى انزلوه، وأنزلوه يتعدى لاثنين قال تعالى: أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا [المؤمنون: 29] وتقول: أنزلت زيدا الدار، والطرح: الرمي، ويعبر به عن الاقتحام في المخاوف. ويخل لكم: جواب الأمر وفيه الأدغام والاظهار، وقد تقدم تحقيقهما عند قوله تعالى:
يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ [آل عمران: 85] اهـ سمين.
قوله: يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ المراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها، فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم، لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه اهـ كرخي.
قوله: وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ الخ وذلك أنهم لما علموا أن الذي عزموا عليه من الكبائر والذنوب قالوا: نتوب من هذا الفعل ونكون من الصالحين في المستقبل اهـ خازن.
قوله: (بأن تتوبوا) وقيل: صالحين مع أبيكم يصلح ما بينكم وبينه بعذر تمهدونه، أو صالحين في أمر دنياكم فإنه ينتظم لكم بعده بخلو وجه أبيكم اهـ بيضاوي.