الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 13
يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (11) لقائمون بمصالحه
أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا إلى الصحراء يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ بالنون والياء فيهما ننشط ونتسع وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (12)
قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا أي ذهابكم وفي السمين: وقرأ العامة تأمنا بالإخفاء وهو عبارة عن تضعيف الصوت بالحركة والفصل بين النونين، لأن النون تسكن رأسا فيكون ذلك اخفاء لا إدغاما، وقرأ بعضهم ذلك بإشمام، وهو عبارة عن ضم الشفتين إشارة إلى حركة الفعل مع الإدغام الصريح، كما يشير إليه الواقف وفيه عسر كبير. قالوا:
وتكون الإشارة إلى الضمة بعد الإدغام وقبل كماله، وقرأ أبو جعفر بالإدغام الصريح من غير إشمام، وقرأ الحسن ذلك بالإظهار مبالغة في بيان إعراب الفعل وللمحافظة على حركة الإعراب، واتفق الجمهور على الاخفاء أو الاشمام كما تقدم تحقيقه اهـ.
قوله: (لقائمون بمصالحه) عبارة الخازن: المراد بالنصح هنا القيام بالمصلحة، وقيل: البر والعطف، والمعنى وإنا لعاطفون عليه قائمون بمصلحته وبحفظه. وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وذلك أنهم قالوا لأبيهم أرسله معنا. فقال يعقوب: إني ليحزنني أن تذهبوا به، فحينئذ قالوا:
ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ، ثم قالوا أَرْسِلْهُ مَعَنا الخ اهـ.
قوله: غَدًا أي في غد فهو منصوب على الظرفية، والغد اليوم الذي بعد يومك الذي أنت فيه اهـ شيخنا.
قوله: (بالنون والياء فيهما) أي في نرتع ونلعب سبعيتان. أي: قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي بمثناة تحتية على إسناد الفعل ليوسف، والباقون بنون المتكلم إسنادا للكل، والرتع التمتع في أكل الفواكه ونحوها، واللعب بالاستباق والانتضال تمرينا لقتال الأعداء لا للهو، وسماه لعبا لشبهه به، كما أشار إليه في التقرير فلا يرد كيف قالوا ذلك مع أنهم كانوا بالغين عاقلين وأنبياء أيضا على قول، وكيف رضي يعقوب بذلك منهم على قراءة النون اهـ كرخي.
ورتع من باب نفع كما في المصباح. قوله: (نتسع) أي نتفسح بأكل الثمار والفواكه راجع لنرتع، وننشط أي بالمسابقة ورمي السهام راجع لنلعب، فالمراد بلعبهم المسابقة بالسهام كما سيأتي في قولهم إنا ذهبنا نستبق اهـ شيخنا.
وفي الخازن: الرتع: هو الاتساع في الملاذ يقال: رتع فلان في ماله إذا أنفقه في شهواته، والأصل في الرتع أكل البهائم في الخصب من الربيع، ويستعار للإنسان إذ أريد به الأكل الكثير، واللعب معروف. قال الراغب: يقال لعب فلان إذا كان فعله غير قاصد به مقصدا صحيحا، وسئل أبو عمرو بن العلاء كيف قالوا نلعب وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذ أنبياء، ويحتمل أن يكون اللعب المراد به هنا الإقدام على المباحات لأجل انشراح الصدر، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لجابر: «هلا بكرا تلاعبك وتلاعبها» أيضا، فإن لعبهم كان الاستباق وهو غرض صحيح مباح لما فيه من تعلم المحاربة والإقدام على الاقران في الحرب بدليل قوله: نستبق، وإنما سماه لعبا لأنه في صورة اللعب، وقيل: معناه نرتع ونلعب نتنعم ونأكل ونلهو وننشط اهـ.
قوله: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ جملة حالية اهـ سمين.