الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 19
فعلم به إخوته فأتوه وَأَسَرُّوهُ أي أخفوا أمره جاعليه بِضاعَةً بأن قالوا هذا عبدنا أبق، وسكت يوسف خوفا من أن يقتلوه وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (19)
وَشَرَوْهُ باعوه منهم بِثَمَنٍ بَخْسٍ قوله: (فعلم به إخوته) قيل: باشتهار أمره حين أخرج، وقيل: بإعلام أخيه يهودا لهم لأنه كان يأتيه بالطعام فأتاه فلم يجده، فأعلمهم بأنه لم يجده في البئر اهـ شيخنا.
وفي قصص الأنبياء: إن إخوة يوسف نظروا إلى القافلة واجتماعها على الجب فأتوهم، وكانوا يظنون أن يوسف مات، فرأوه أخرج حيا فضربوه وشتموه، وقالوا: هذا عبد أبق منا فإن أردتم بعناه لكم، ثم قالوا له بالعبرانية لا تنكر العبودية نقتلك فأقر بها، فاشتراه ابن ذعر الخزاعي اهـ شهاب.
قوله: وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً جعل الضمير لإخوته وهو أحد قولين وقيل للسيارة. قال مجاهد: أسرّه مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين كانوا معه، وقالوا: إنه بضاعة استبضعناه لبعض أهل المال لنبيعه لهم بمصر، وإنما قالوا ذلك خيفة أن يطلبوا منه الشركة فيه، وعلى هذا القول فالضمير في شروه وكانوا لمالك وأصحابه، وإنما زهدوا في شرائه لقول إخوته لهم أنه عبد أبق، فظنوا أنه معيب اهـ خازن.
قوله: (جاعليه) أي حال كونهم جاعلين إياه بضاعة أي شيئا متمولا، فبضاعة منصوب على الحال من الواو في أسروه، وهذا بحسب الظاهر، وإلّا ففي الحقيقة هو مفعول لعامل محذوف هو الحال في الحقيقة كما قدره الشارح بقوله: جاعليه. وفي الخطيب: البضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت الشيء إذا قطعته، وبضاعة منصوب على الحال كأنه قال: وأسروه حال ما جعلوه بضاعة اهـ.
قوله: (و أبق) في القاموس: أبق العبد كسمع وضرب ومنع ونصر أبقا بالسكون، وأبقا بالتحريك، وإباقا ككتاب إذا هرب من سيده من غير خوف ولا كد عمل اهـ.
قوله: (و سكت يوسف) أي لأنهم خوفوه بالقتل سرا اهـ خازن.
قوله: بِما يَعْمَلُونَ أي بما يترتب على عملهم القبيح بحسب الظاهر من الأسرار والفوائد المنطوية تحت باطنه، فإن هذا البلاء الذي فعلوه به كان سببا لوصوله إلى مصر وتنقله في أطوار حتى صار ملكها، فرحم اللّه به العباد والبلاد خصوصا في سني القحط الذي وقع بها كما سيأتي. قوله:
(باعوه) فالضمير المرفوع عائد على إخوته، وقوله: منهم أي من السيارة أي لهم أي لبعضهم، وهو الذي ورد الماء، وتقدم أنه مالك بن ذعر الخزاعي. وتقدم عن الخازن احتمال آخر، وهو أن الضمير في شروه يعود السيارة أي اشترته السيارة من إخوته، وإنما أخذوه بثمن بخس وكانوا زاهدين في شرائه، لأنهم ظنوه معيبا لقول إخوته هذا عبدنا قد أبق منا.
قوله: بَخْسٍ أي حرام، لأن ثمن الحر حرام والحرام يسمى بخسا، لأنه مبخوس البركة أي منقوصها، أو المراد بالبخس القليل اهـ خازن.
وفي المصباح: بخسه بخسا من باب نفع نقصه أو عابه اهـ.