الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 21
العزيز مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أرض مصر حتى بلغ ما بلغ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ تعبير الرؤيا عطف على مقدر متعلق بمكنا أي لنملكه أو الواو زائدة وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ تعالى لا يعجزه شيء وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار لا يَعْلَمُونَ (21) ذلك
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وهو ثلاثون سنة أو وثلاث آتَيْناهُ حُكْمًا حكمة وَعِلْمًا فقها في الدين قبل أن يبعث نبيا وَكَذلِكَ كما جزيناه نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) لأنفسهم
وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها هي زليخا عَنْ نَفْسِهِ أي قوله: مَكَّنَّا لِيُوسُفَ أي جعلناه على خزائنها ومكن يتعدى بنفسه على حد، ولقد مكناكم في الأرض، وباللام كما هنا، والمراد نعطيه مكانة ورتبة عالية في الأرض اهـ شيخنا.
قوله: (حتى بلغ ما بلغ) أي من السلطنة:. قوله: (أي لنمكنه) أي مكناه في الأرض لنملكه ما فيها ولنعلمه، وهذا على عدم زيادة الواو وعلى زيادتها يقال مكنا له في الأرض لنعلمه اهـ شيخنا.
ونملكه من الملك بكسر الميم أي نجعله مالكا لما فيها، أو من الملك بضمها أي نجعله ملكا وسلطانا على أهلها اهـ.
قوله: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد لا دافع لأمره ولا راد لقضائه ولا يغلبه شيء اهـ خازن.
قوله: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ فيه ثلاثة أقوال. أحدها: وهو قول سيبويه أنه جمع مفرده شدة نحو نعمة وأنعم. والثاني: قول الكسائي أن مفرده شد بزنة قفل. الثالث: أنه جمع لا واحد له من لفظه قاله أبو عبيدة: وخالفه الناس في ذلك، وهو من الشد وهو الربط على الشيء والعقد عليه. قال الراغب:
وفيه تنبيه على أن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوى خلقه الذي هو عليه فلا يكاد يزايله اهـ سمين.
ولم يقل هنا واستوى كما قال في شأن موسى في سورة القصص، لأن موسى كان قد بلغ أربعين سنة، وهي مدة النبوة فقد استوى وتهيأ لحمل أسرار النبوة، وأما يوسف فلم يكن إذ ذاك قد بلغ هذا السن اهـ شيخنا.
قوله: (حكمة) وهي العلم مع العمل، وقيل: هي النبوة كما في الخازن، لكن هذا لا يناسب قول الشارح قبل أن يبعث نبيا اهـ شيخنا.
قوله: (كما جزيناه) أي أنعمنا عليه بهذه النعم كلها اهـ خازن.
وقوله: نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (لأنفسهم) أي بالإيمان والاهتداء كما قاله ابن عباس، أو الصابرين على النوائب كما صبر يوسف عليه السّلام قاله الضحاك اهـ كرخي.
وفي الخازن: ومن الإحسان الصبر على النوائب كما صبر يوسف اهـ.
قوله: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها رجوع إلى شرح ما جرى عليه في منزل العزيز بعد ما أمر امرأته بإكرام مثواه. وقوله تعالى: قوله: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ إلى هنا اعتراض جيء به أنموذجا للقصة ليعلم السامع من أول الأمر أن ما لقيه عليه السّلام من الفتن التي ستحكى بتفاصيلها له غاية جميلة وعاقبة حميدة، وأنه عليه السّلام محسن في جميع أعماله لم يصدر عنه في حالتي السراء والضراء