الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 22
طلبت منه أن يواقعها وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ للبيت وَقالَتْ له هَيْتَ لَكَ أي هلم واللام ما يخل بنزاهته، ولا يخفى أن مدار حسن التخلص إلى هذا الاعتراض قبل تمام الآية الكريمة إنما هو التمكين البالغ المفهوم من كلام العزيز. والمراودة المطالبة من راد يرود إذا جاء وذهب لطلب شيء، ومنه الرائد لطالب الماء والكلأ، وهي مفاعلة من واحد نحو مطالبة الدائن ومماطلة المديون ومداواة الطبيب ونظائرها مما يكون من أحد الجانبين الفعل ومن الآخر سببه، فإن هذه الأفعال وإن كانت صادرة عن أحد الجانبين لكن لما كانت أسبابها صادرة عن الجانب الآخر جعلت كأنها صادرة عنهما.
وهذا باب لطيف المسلك مبني على اعتبار دقيق تحقيقه أن سبب الشيء يقام مقامه ويطلق عليه اسمه، كما في قولهم: كما تدين تدان، أي: كما تجزي تجزى، فإن فعل البادي، وإن لم يكن جزاء لكونه سببا للجزاء أطلق عليه اسمه، وكذلك إرادة القيام إلى الصلاة وإرادة قراءة القرآن حيث كانتا سببا للقيام والقراءة عبر عنهما بهما فقيل: إذا قمتم إلى الصلاة، فإذا قرأت القرآن. وهذه قاعدة مطردة مستمرة، ولما كانت أسباب الأفعال المذكورة فيما نحن فيه صادرة عن الجانب المقابل لجانب فاعلها فإن مطالبة الدائن لأجل المماطلة التي هي من جانب الغريم، ومماطلة الغريم لأجل المطالبة التي هي من جانب الدائن، وكذا مداواة الطبيب للمرض الذي هو من جانب المريض، وكذلك مراودتها فيما نحن فيه لجمال يوسف عليه السّلام نزل صدورها عن محالها بمنزلة صدور مسبباتها التي هي تلك الأفعال، فبنيت الصيغة على ذلك، وروعي جانب الحقيقة بأن أسند الفعل إلى الفاعل، وأوقع على صاحب السبب، فتأمل. ويجوز أن يراد بصيغة المفاعلة مجرد المبالغة وقيل: الصيغة على بابها بمعنى أنها طلبت منه الفعل وهو طلب منها الترك، ويجوز أن تكون من الرويد وهو الرفق والتجمل وتعديتها بعن لتضمينها معنى المخادعة، فالمعنى خادعته عن نفسه أي فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن شيء لا يريد إخراجه من يده، وهو يحتال أن يأخذه منه وهو عبارة عن التمحل في مواقعته إياه والعدول عن اسمها للمحافظة على الستر أو للاستهجان بذكره، ويراد الموصول لتقرير المراودة فإن كونه في بيتها مما يدعو إلى ذلك. قيل لواحدة: ما حملك على ما أنت عليه مما لا خير فيه؟ قلت: قرب الوساد وطول السواد ولإظهار كمال نزاهته عليه السّلام فإن عدم ميله إليها مع دوام مشاهدته لمحاسنها واستعصائه عليها مع كونه تحت ملكتها ينادي بكونه عليه السّلام في أعلى معارج العفة والنزاهة اهـ أبو السعود.
قوله: (هي زليخا) بفتح الزاي وكسر اللام وهو المشهور، وقيل: إنه بضم أوله على هيئة المصغر اهـ شهاب.
قوله: (أي طلبت منه) أي برفق، وهذا التفسير من الشارح يشير إلى أن المفاعلة ليست على بابها اهـ.
وفي المصباح: وراودته على الأمر مراودة وروادا من باب قاتل طلبت منه فعله، وكأن في المراودة معنى المخادعة، لأن الطالب يتلطف في طلبه تلطف الخادع ويحرص حرصه اهـ.
قوله: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وكانت سبعة كما في البيضاوي وغيره، والتشديد للتكثير لتعدد المحال اهـ سمين. والمحال هي الأبواب.