الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 142
ذلك العذاب عَذابٌ غَلِيظٌ (17) قوي متصل
مَثَلُ صفة الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ مبتدأ ويبدل وفي أبي السعود: يَتَجَرَّعُهُ قيل هو صفة لماء أو حال منه، والأظهر أنه استئناف مبني على السؤال، كأنه قيل: فماذا يفعل به؟ فقيل: يتجرعه أي: يتكلف جرعه مرة بعد أخرى لغلبة العطش، واستيلاء الحرارة عليه. يكاد يسيغه أي: لا يقارب أن يسيغه فضلا عن الإساغة، بل يغص به فيشربه بعد التي واللتيا جرعة غب جرعة، فيطول عذابه تارة بالحرارة والعطش وأخرى بشربه على تلك الحال، فإن السوغ انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول نفس، ونفيه لا يوجب نفي ما ذكر جميعا. وقيل: لا يكاد يدخله في جوفه. وعبّر عنه بالإساغة لما أنها المعهودة في الأشربة وهي حال من فاعل يتجرعه، أو من مفعوله، أو منهما جميعا اهـ.
وفي الخازن: قال بعض المفسرين: إن كاد صلة والمعنى يتجرعه ولا يسيغه، وقال صاحب الكشاف: دخل كاد للمبالغة يعني ولا يقارب أن يسيغه، فكيف تكون الإساغة. وقال بعضهم: ولا يكاد يسيغه أي: يسيغه بعد إبطاء، لأن العرب تقول: ما كدت أقوم أي: قمت بعد إبطاء، فعلى هذا كاد على أصلها وليست بصلة. وقال ابن عباس: معناه لا يجيزه، وقيل: معناه يكاد لا يسيغه ويسيغه ليغلي في جوفه.
عن أبي أمامة رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله تعالى: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ قال: «يقرب إلى فيه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره. كما قال: وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد: 15] وقال: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف: 29] » أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب. وقوله: وقعت فروة رأسه إنما شبهها بالفروة للشعر الذي عليها اهـ.
قوله: (أي أسبابه) عبارة الخازن: يعني أن الكافر يجد ألم الموت وشدته من كل مكان من أعضائه، وقال إبراهيم السهمي: حتى من تحت كل شعره من جسده، وقيل: يأتيه الموت من قدامه ومن خلفه ومن فوقه ومن تحته ومن يمينه ومن شماله، وما هو بميت فيستريح. وقال ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة اهـ.
قوله: (بعد ذلك العذاب) أشار إلى أن الضمير في ورائه للعذاب المتقدم، وقيل: عائد على كل جبار كما في السمين، وفي البيضاوي: وَمِنْ وَرائِهِ أي: من بين يديه عذاب غليظ أي: يستقبل في كل وقت عذابا أشد مما هو عليه، وقيل: هو الخلود في النار، وقيل: حبس الأنفاس اهـ.
قوله: (متصل) أي: متصل بعضه ببعض لا ينقطع ولا يفتر.
قوله: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ هذا كلام مستأنف منقطع عما قبله، وهو مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه تقديره فيما نقص أو فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، وقوله: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ جملة من مبتدأ وخبر في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: وما ذلك المثل اهـ خازن.
لكن جرى الشارح على غير هذا حيث قال: ويبدل منه أي: بدل اشتمال أو بدل كل، وعليه فيكون الكلام جملة واحدة. وفي السمين: قوله: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فيه أوجه، أحدها: وهو مذهب