الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 153
عدها إِنَّ الْإِنْسانَ الكافر لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) كثير الظلم لنفسه بالمعصية والكفر لنعمة ربه
وَاذكر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ مكة آمِنًا ذا أمن وقد أجاب اللّه دعاءه لاحتياجكم إليه، وإن لم تسألوه بالفعل، كما يشير لهذا قوله: (على حسب مصالحكم) . وفي السمين:
العامة على إضافة كل إلى ما، وفي من قولان، أحدهما: إنها زائدة في المفعول الثاني أي: آتاكم كل ما سألتموه، وهذا إنما يتأتى على قول الأخفش. والثاني: أن تكون تبعيضية أي: آتاكم بعض جميع ما سألتموه نظرا لكم ولمصالحكم، وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره: وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه وهو رأي سيبويه، وما يجوز فيها أن تكون موصولة اسمية أو حرفية أو موصوفة، والمصدر واقع موقع المفعول أي: مسؤولكم، فإن كانت مصدرية فالضمير في سألتموه عائد على اللّه تعالى وعائد الموصول أو الموصوف محذوف أي: سألتموه إياه.
قوله: (على حسب مصالحكم) أشار بهذا إلى جواب كيف قال وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ واللّه لم يعطنا كل ما سألناه، ولا بعضا من كل فرد مما سألناه، وإيضاحه أنه أعطانا بعضا من جميع ما سألناه لا من كل فرد فرد، ولكن لما كان البعض المذكور وهو الأكثر من جميع ما سألناه وهو الأصلح الأنفع لنا في معاشنا ومعادنا بالنسبة إلى البعض الذي منعه لمصلحتنا أيضا كان كأنه أعطانا جميع ما سألناه. وقيل: أعطى جميع السائلين بعضا من كل فرد مما سأله جميعهم، وإيضاحه أن يكون قد أعطى هذا شيئا مما سأله ذاك، وأعطى ذاك شيئا مما سأله هذا على ما اقتضته الحكمة والمصلحة في حقهما، كما أعطى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الرؤية ليلة المعراج، وهي مسؤول موسى عليه الصلاة والسّلام، وما أشبه ذلك اهـ. من الانموذج اهـ كرخي.
قوله: (بمعنى إنعامه) هذا لا يتعين بل ابقاؤه على ظاهره أظهر. وفي السمين: النعمة هنا بمعنى المنعم به اهـ.
قوله: (عدها) أي: عد أنواعها فضلا عن أفرادها، فإنها غير متناهية اهـ بيضاوي.
قوله: (الكافر) وقال ابن عباس: يريد أبا جهل، وقوله لَظَلُومٌ كَفَّارٌ يعني لنفسه كفار بنعمة ربه،. وقيل: الظلوم الشاكر لغير من أنعم عليه، فيضع الشكر في غير موضعه. كفار جحود لنعم اللّه تعالى عليه، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع. كفار في النعمة ويجمع ويمنع اهـ خازن.
قوله: وَ (اذكر) أي: اذكر يا محمد لقومك لعلهم يعتبرون، فيرجعوا عن كفر هذه النعم التي كان سببها خليل اللّه إبراهيم اهـ شيخنا.
قوله: هَذَا الْبَلَدَ فسّر الشارح هنا بمكة، وفسرها في سورة البقرة بالمكان، فيقتضي أن هذا الدعاء وقع مرتين: مرة قبل بنائها، ومرة بعده، ولذلك كتب الكرخي هناك ما نصه: ونكر البلد هنا وعرفه في إبراهيم، لأن الدعوة هنا كانت قبل جعل المكان بلدا، فطلب من اللّه أن يجعل ويصير بلدا آمنا، وثم كانت بعد جعله بلدا اهـ.
وفي السمين: قال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين قوله اجعل هذا بلدا آمنا وبين قوله:
اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا؟ قلت: قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا