الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 155
النَّاسِ بعبادتهم لها فَمَنْ تَبِعَنِي على التوحيد فَإِنَّهُ مِنِّي من أهل ديني وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ قوله: وَمَنْ عَصانِي شرط ومحله رفع بالابتداء، والجواب: فإنك غفور رحيم. والعائد محذوف أي: له اهـ سمين.
قوله: (هذا) أي: قوله وَمَنْ عَصانِي الخ. وفي الخازن: قال السدي: معناه ومن عصاني ثم تاب فإنك غفور رحيم. وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم، وشرح ابن الأنباري هذا فقال: ومن عصاني فخالفني في بعض الشرائع وعقد التوحيد فإنك غفور رحيم، إن شئت أن تغفر له، وهذا إذا كان مسلما. وذكر وجهين آخرين، أحدهما: أن هذا كان قبل أن يعلمه اللّه انه يغفر الشرك كما استغفر لأبويه، وقد تقرر أن ذلك غير محظور، فلما عرف أنهما غير مغفور لهما تبرأ منهما.
والوجه الآخر: قوله: وَمَنْ عَصانِي أي: بإقامته على الكفر فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. يعني: إنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإسلام وتهديه إلى الصواب.
فإن قلت: قد توجه على هذه الآية إشكالات وهي من وجوه، الأول: أن إبراهيم دعا ربه أن يجعل مكة آمنا، ثم إن جماعة من الجبابرة وغيرهم قد أغاروا عليها وأخافوا أهلها.
الوجه الثاني: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام معصومون من عبادة الأصنام، وإذا كان كذلك فما الفائدة في قوله اجنبني عن عبادتها.
الوجه الثالث: أن إبراهيم سأل ربه أيضا أن يجنب بنيه عن عبادة الأصنام، وقد وجد من بنيه كثير ممن عبد الأصنام مثل كفار قريش وغيرهم ممن ينسب إلى إبراهيم عليه الصلاة والسّلام.
قلت: الجواب عن الوجوه المذكورة من وجوه. فالجواب عن الوجه الأول من وجهين، أحدهما: أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام لما فرغ من بناء الكعبة دعا بهذا الدعاء، والمراد منه جعل مكة آمنة من الخراب، وهذا موجود بحمد اللّه، فلم يقدر أحد على تخريب مكة. وأورد على هذا ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» أخرجاه في الصحيحين. وأجيب عنه بأن قوله: اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا يعني إلى قرب القيامة وخراب الدنيا، وقيل: هو عام مخصوص بقصة ذي السويقتين فلا تعارض بين النصين. الوجه الثاني: أن يكون المراد اجعل هذا البلد ذا أمن وهذا الوجه عليه أكثر العلماء من المفسرين وغيرهم، وعلى هذا فقد اختص أهل مكة بزيادة الأمن في بلدهم، كما أخبر اللّه تعالى بقوله: ويتخطف الناس من حولهم وأهل مكة آمنون من ذلك، حتى أن من التجأ إلى مكة أمن من على نفسه وماله، وحتى إن الوحوش إذا كانت خارجة عن الحرم استوحشت، وإذا كانت داخل الحرم استأنست لعلمها أنه لا يهيجها أحد في الحرم، وهذا القدر من الأمن حاصل بحمد اللّه بمكة وحرمها.
وأما الجواب عن الوجه الثاني: فمن وجهين أيضا، الأول: إن دعاء إبراهيم لنفسه لزيادة العصمة والتثبيت، فهو كقوله: وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة: 128] . الوجه الثاني: أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام وان كان يعلم إن اللّه تعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه دعا بهذا الدعاء هضما للنفس واظهارا للعجز والحاجة والفاقة إلى فضل اللّه ورحمته، وإن أحدا لا يقدر على نفع نفسه بشيء لم ينفعه