الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 156
رَحِيمٌ (36) هذا قبل علمه أنه تعالى لا يغفر الشرك
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي أي بعضها وهو إسماعيل مع أمه هاجر بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ هو مكة عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ الذي كان قبل الطوفان اللّه به، فلهذا السبب دعا لنفسه بهذا الدعاء.
وأما دعاؤه لبنيه وهو الوجه الثالث من الاشكالات، فالجواب عنه من وجوه، الوجه الأول: أن إبراهيم دعا لبنيه من صلبه ولم يعبد منهم أحد صنما قط. الوجه الثاني: أنه أراد أولاده وأولاد أولاده الموجودين حالة الدعاء، ولا شك أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام قد أجيب فيهم. الوجه الثالث: قال الواحدي: دعا لمن أذن اللّه في أن يدعو له، فكأنه قال: وبني الذين أذنت لي في الدعاء لهم، لأن دعاء الأنبياء مستجاب، وقد كان من نسله من عبد الصنم، فعلى هذا الوجه يكون هذا الدعاء من العام المخصوص. الوجه الرابع: أن هذا مختص بالمؤمنين من أولاده، والدليل عليه أنه قال في آخر الآية فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فليس منه، واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه اهـ بحروفه.
قوله: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي الخ هذه القصة كانت بعدما وقع له من الالقاء في النار، وفي تلك لم يسأل ولم يدع، بل اكتفى بعلم اللّه بحاله، وفي هذه قد دعا وتضرع، ومقام الدعاء أعلى وأجل من مقام تركه اكتفاء بعلم اللّه كما قاله العارفون، فيكون إبراهيم قد ترقى وانتقل من طور إلى طور من أطوار الكمال اهـ.
قوله: (مع أمه هاجر) وسبب هذا الإسكان إن هاجر كانت جارية لسارة، فوهبتها لإبراهيم، فولدت منه إسماعيل، فغارت سارة منهما لأنها لم تكن قد ولدت قط، فأنشدته اللّه أن يخرجهما من عندها، فأمره اللّه تعالى بالوحي أن ينقلهما إلى أرض مكة، وأتى له بالبراق فركب عليه هو وهاجر والطفل فأتى من الشام ووضعهما في مكة ورجع من يومه، وكان يزورهما على البراق في كل يوم من الشام اهـ شيخنا.
قوله: بِوادٍ أي وواد، والوادي المنخفض بين الجبلين، وقوله: غير ذي زرع أي لا يصلح للإنبات، لأنه أرض حجرية لا تنبت شيئا اهـ شيخنا.
قوله (الذي كان قبل الطوفان) أشار بهذا إلى أن إطلاق البيت عليه في ذلك الوقت باعتبار ما كان قبل الطوفان وأما وقت دعائه فلم يكن، وإنما كان تلال من رمل، وأما البيت فقد رفع إلى السماء من حين الطوفان، ولو جعل التجوز باعتبار ما يؤول لكان صحيحا أيضا اهـ شيخنا.
وفي الخازن: فإن قلت: كيف قال عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ولم يكن هناك بيت محرم، وإنما بناه إبراهيم بعد ذلك؟ قلت: يحتمل أن اللّه عز وجل أوحى إليه، وأعلمه أن له هناك بيتا قد كان في سالف الزمان، وأنه سيعمر، فلذلك قال عند بيتك المحرم. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى عند بيتك الذي جرى في سابق علمك، أنه سيحدث في هذا المكان اهـ.
وفي البيضاوي: عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ أي الذي حرمت التعرض له والتهاون به، ولم يزل معظما ممنعا تهابه الجبابرة أو منع من الطوفان، فلم يستول عليه، ولذلك سمي عتيقا أي أعتق منه، ودعا بهذا