الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 4، ص: 157
رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً قلوبا مِنَ النَّاسِ تَهْوِي تميل وتحن إِلَيْهِمْ قال ابن عباس:
لو قال: أفئدة الناس لحنت إليه فارس والروم والناس كلهم وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ الدعاء أول ما قدم فلعله قال ذلك باعتبار ما كان وما سيؤول إليه اهـ.
وقوله: ودعا بهذا الدعاء أي المقيد بعندية البيت أول ما قدم إليه مع أنه لم يكن ذا ذاك بيتا، لأنه رفع وقت الطوفان، وإنما بناه إبراهيم بعد ذلك كما تضمنه قوله فلعله قال ذلك باعتبار ما كان أي قبل الطوفان، فإنه رفع وقته كما مر، أو باعتبار ما سيؤول إليه من بناء إبراهيم له اهـ زكريا وشهاب.
قوله: لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ اللام لام كي، وهي متعلقة بأسكنت أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي الخالي من كل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم، وتكرير النداء وتوسيطه للإشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم، ثم والمقصود من الدعاء توفيقهم لها. وقيل اللام لام الأمر، والمراد الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة، وسأل من اللّه أن يوفقهم لها اهـ بيضاوي.
وقوله: (إلا لإقامة الصلاة الخ) أي أن الجار والمجرور متعلق بأسكنت المذكور بدليل قوله (و توسطه الخ) . وعلى هذا فالحصر مستفاد من السياق، لأنه لما قال بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ نفى أن يكون إسكانهم لأجل الزراعة، ولما قال عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ أثبت أنه مكان عبادة، فلما قال لِيُقِيمُوا أثبت أن الاقامة عنده للعبادة، وقد نفى كونها للكسب، فجاء الحصر مع ما في تكرير ربنا من الاشارة إلى أنه هو المقصود، فلا حاجة إلى ما قيل إنه متعلق بأسكنت مقدر مؤخر غير الأول، وأن الحصر مستفاد من تقديره مؤخرا كما رجحه بعض الشراح اهـ شهاب.
قوله: تَهْوِي إِلَيْهِمْ قرأ العامة تهوي بكسر الواو بمعنى تسرع وتطير شوقا إليهم، وأصله أن يتعدى باللام، وإنما تعدى بإلى لأنه ضمن معنى تميل. وقرأ أمير المؤمنين علي، وزيد بن علي، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، ومجاهد بفتح الواو وفيه قولان، أحدهما: أن إلى زائدة أي تهواهم. والثاني: أنه ضمن معنى تنزع وتميل، ومصدر الأول على هوى بضم الهاء وفتحها، ومصدر الثاني على هوى كفتى وجوى اهـ سمين.
قوله: (تميل وتحن إليهم) أي لزيارة بيتك لا لذواتهم وأعيانهم، كما قاله ابن عباس، وفي هذا بيان أن حنين الناس إليهم إنما هو لطلب حج البيت، لا لأعيانهم. وفيه دعاء للمؤمنين بأن يرزقهم اللّه حج البيت، ودعاء لسكان مكة من ذريتهم، لأنهم يرتفقون بمن يأتي إليهم من الناس لزيارة البيت، فقد جمع إبراهيم عليه الصلاة والسّلام في هذا الدعاء من أمر الدين والدنيا ما ظهر بيانه وعمت بركته اهـ خازن.
وفي المختار: الحنين الشوق وتوقان النفس، وقد حن إليه يحن بالكسر حنينا فهو حانّ والحنان الرحمة، وقد حن عليه يحن بالكسر حنانا ومنه قوله تعالى: وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا [مريم: 13] اهـ.
قوله: (لحنت إليه فارس الخ) أي: للحج. وعبارة الخطيب: وقال سعيد بن جبير: لحجت إليه اليهود والنصارى والمجوس اهـ.
قوله: وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ أي: بعضها. قوله: (و قد فعل بنقل الطائف إليه) هذا إجابة لقوله